مراجعات الكتب

مراجعة كتاب "السلام المضاد: إعاقة السلام والمخاطر الاستراتيجية"

مراجعة كتاب
فلسفة وممارسة السلام المضاد
كتاب "السلام المضاد: إعاقة السلام والمخاطر الاستراتيجية"
أ.مجدي أبو غوش- الأردن
باحث متعاون مع مركز دراسات الشرق الأوسط- الأردن
dr.majdi.saeed@gmail.com

- المؤلفون: Oliver P. Richmond, Sandra Pogodda, and Gëzim Visoka
- تاريخ النشر: 17 August 2026
- الناشر: Oxford University Press
- اللغة: الإنجليزية
- عدد الصفحات: 320 صفحات
- ISBN‏ 9780197550304 :

أطروحة الكتاب الأساسية
تركّز هذه المراجعة على الأطروحة الأساسية للكتاب ودراسات الحالة، مسلطة الضوء على أسباب ركود عمليات السلام في مختلف أنحاء العالم، أو تراجعها، أو انهيارها في كثير من الأحيان، وهو أمر محوري لفهم أهمية السلام المضاد (مناهضة السلام) في دراسات السلام، وذلك من خلال دراسة مناطق النزاع الممتدة عبر أوكرانيا، وإسرائيل/ فلسطين، والسودان، وميانمار، وسوريا، وليبيا، وناغورنو كاراباخ، وكولومبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، حيث يتحدى المؤلفون النماذج التقليدية لحل النزاعات التي تُعزي فشل السلام إلى مجرد "مُخرّبين" معزولين أو غياب "اللحظات المناسبة".
بدلاً من ذلك، يُقدّم الكتاب مفهوماً رائداً هو السلام المضاد (مناهضة السلام)، والذي يُعرّف بأنه استراتيجيات شبه منهجية تربط بين المناهضين على جميع المستويات (المحلية، والوطنية، والإقليمية، والعابرة للحدود)، وتكتيكات تستغل العوائق الهيكلية والنتائج غير المقصودة لتدخلات السلام، بهدف عرقلة عمليات السلام والإصلاحات السياسية ذات الصلة بشكل منهجي.
ويُجادل المؤلفون بأنه مع تآكل النظام الدولي الليبرالي الذي تأسس بعد عام 1989، نجحت القوى المناهضة (قوى السلام المضاد) في السيطرة على بنية السلام الدولية وإفراغها من مضمونها، حيث حوّلوا أدوات صنع السلام إلى أدوات للحفاظ على الوضع الراهن، وترسيخ الأنظمة الاستبدادية، وتوسيع نطاق الصراع، وتتناول الدراسة النماذج والأمثلة، بالإضافة إلى المنهجية التي طورها المؤلفون، في أربعة فصول وخاتمة.
عرض فصول الكتاب
تقدّم الدراسة في الفصل الأول نموذجاً نظرياً دقيقاً يُميّز مفهوم السلام المضاد (مناهضة السلام) عن المفاهيم القريبة له في دراسات السلام والصراع، ويبحث الفصل الثاني كيف تُصبح تسويات السلام في كثير من الأحيان بمثابة "آليات جمود" تُحوّل صراعات زمن الحرب إلى مؤسسات سياسية مختلة، حيث يستحوذ أمراء الحرب السابقون على موارد الدولة من خلال حقّ النقض في الترتيبات النهائية، بما في ذلك الفصل العرقي، مما يُنشئ "تكتلات سلام" تُعيق المصالحة الحقيقية، ويُحلّل المؤلفون العديد من دراسات الحالة التوضيحية.
ويركز الفصل الثالث في الكتاب على الجنوب العالمي ومساحات ما بعد الاتحاد السوفييتي، حيث تسمح أوجه القصور في البنية التحتية لشبه الدولة بازدهار حركات التمرد، وهيمنة أمراء الحرب، وعصابات الجريمة المنظّمة في المناطق النائية، بينما تبقى المدن الرئيسية مستقرة. ويناقش هذا الفصل ويحلّل حالات رئيسية في مناطق النزاع المذكورة آنفاً.
بينما يدرس الفصل الرابع السياقات التي تُهيمن عليها الدولة القمعية- الأنظمة الاستبدادية أو الاحتلالات العسكرية، حيث تُنتهك حقوق الإنسان بشكل منهجي في جميع أنحاء الإقليم.
ويقدّم المؤلفون تحليلاً معمقاً للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي باعتباره مثالاً بارزاً على السلام المضاد (مناهضة السلام) المطلق، ويتتبعون كيف تحوّل الاحتلال العسكري عام 1967 إلى مشروع استيطاني استعماري دائم مدعوم بـ"مصفوفة سيطرة" (نقاط تفتيش، وتوسع استيطاني، ومصادرة أراضٍ، وعنف إداري).
وفي هذا السياق تنتقد الدراسة اتفاقيات أوسلو لعام 1993 باعتبارها إطاراً للسلام المضاد (مناهضة السلام)؛ فمن خلال تفويض الأمن الداخلي للسلطة الفلسطينية مع الإبقاء على السيطرة العسكرية الإسرائيلية على 82% من الضفة الغربية، حوّلت اتفاقات أوسلو قوات الأمن الفلسطينية إلى متعاقدين فرعيين مع الاحتلال، وكذلك تنامى الاستيطان مابين عامي 1993 و2023، لتزداد أعداد المستوطنين من 250 ألفاً إلى ما يقارب 700 ألف، مما قضى فعلياً على جدوى حل الدولتين (وإعاقة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة)، واستبدَلت إسرائيل احتلالها المادّي في غزة عام 2005 بحصار جوي وبرّي وبحري خانق.
وفي أعقاب هجمات حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أظهرت الحرب الإسرائيلية المدمّرة على غزة، والتي أسفرت عن خسائر فادحة في صفوف المدنيين، وتدمير كامل بنية القطاع التحتية بما فيها بنية الأونروا التحتية، وتسببت بمجاعة فظيعة في القطاع، أظهرت كيف يؤدّي تجاهل الأسباب والدوافع الجوهرية وراء هذه (المقاومة) وبشكل دائم إلى تعميق الصراع وتوسيع نطاقه حتماً.
الجزء الأول: الفلسفة الأساسية والإطار الأنطولوجي للسلام المضاد (مناهضة السلام)
ترتكز الفرضية المركزية لمفهوم السلام المضاد (مناهضة السلام) على إعادة تقييم تشخيصية جوهرية لأسباب فشل عمليات السلام، أو ركودها، أو انهيارها إلى حرب كارثية في جميع أنحاء العالم.
ويرفض المؤلفون نماذج حلّ المشكلات التقليدية في العلاقات الدولية وحل النزاعات، والتي تختزل إخفاقات صنع السلام، بعوامل معزولة تُعرقل العملية، أو غياب "اللحظات المناسبة"، أو قصور في التنفيذ التقني، وبدلاً من ذلك، يُصوّر المؤلفون السلام المضاد كظاهرة شبه نظامية، عابرة للمستويات، تعمل بشكل جدلي ضد صنع السلام التحرري.
1.1 بنية السلام الدولية (IPA) واستغلالها الطفيلي
يناقش الكتاب كيف تطور نظام متعدد الأطراف وعابر للحدود، خلال القرن العشرين، لإدارة الحروب وتعزيز الاستقرار، ألا وهو بنية السلام الدولية (IPA)، وتضمّ هذه البنية هيئات الأمم المتحدة، والقانون الدولي، والمنظمات الإقليمية، ووكالات التمويل، والمؤسسات المالية الدولية، والمنظمات غير الحكومية الدولية. وقد جمعت بين مختلف الأطراف المعنية، الدبلوماسية، وحفظ السلام، والوساطة، وبناء الدولة، وأطر الحقوق، ومع ذلك، ومع دخول النظام الدولي الليبرالي (LIO) بعد عام 1989 مرحلة أزمة حادة وتفكك، اكتسبت قوى مناهضة السلام نفوذاً جديداً.
وتعمل قوى مناهضة السلام بشكل طفيلي داخل إطار سلطة المساعدة الدولية (IPA)، وهي نادراً ما ترفض السلام أو التدخلات الدولية رفضاً قاطعاً، بل تتظاهر بالامتثال، وتستغل المساعدات الدولية، وتتلاعب بآليات صنع السلام للحفاظ على التسلسلات الهرمية الاجتماعية والاقتصادية الكامنة، وحماية امتيازات زمن الحرب، وترسيخ سيطرة النخب، ومن خلال استغلال غطاء "عمليات السلام" الجارية، تكسب الجهات الحكومية وغير الحكومية المعرقلة المزيد من الوقت، وتعيد التسلّح، وتضفي الشرعية على أنماط الحكم الاستبدادية، بينما تحيّد المجتمع المدني صاحب العمق الشعبي والمطالب التحررية.
1.2 الأسس النظرية: الاستناد إلى جدلية الثورة المضادة
لبناء نموذجهم النظري، يعتمد المؤلفون بشكل كبير على النظريات التاريخية للثورة المضادة، حيث يؤكدون أن الثورات المضادة لا تكتفي بمعارضة الحرية فحسب، بل تقدم بدائل مخففة ذات توجه أمني تحافظ على حكم النخب، حيث يقدّم السلام المضاد (مناهضة السلام) "سلاماً هشاً" أو "استقراراً" يُجرّد عملية صنع السلام من أهدافها التحررية أو إعادة توزيع الثروة القائمة على الحقوق.
والأهم من ذلك، أن السلام المضاد (مناهضة السلام) يتناقض مع مفهوم "يوهان غالتونغ" الكلاسيكي عن "السلام السلبي"، فبينما يصف السلام السلبي بأنه غياب سلبي للعنف المادي المباشر وسط عنف بنيوي مستمر(استمرار اسباب الصراع)، فإن السلام المضاد مسعىً فعّال وديناميكي واستراتيجي، وهو ينشئ أنماطاً من الحصار السري والهجين والقانوني، بل والعسكري، لعرقلة التحول السياسي بشكل دائم.
1.3 تصنيف السلام المضاد: ثلاثة أنماط تصعيدية
يصنّف المؤلفون السلام المضاد إلى ثلاثة أنماط تجريبية متميزة على طول طيف تصعيدي، وهي:
- نمط الجمود (عدم الاستقرار السياسي الرسمي): حيث يسود عدم الاستقرار في ترتيبات تقاسم السلطة أو الأراضي المقسّمة (مثل البوسنة والهرسك، وقبرص، وكوسوفو، وأيرلندا الشمالية)، حيث يستولي أمراء الحرب السابقون على مؤسسات الدولة، ويحوّلون الانقسامات التي نشأت في زمن الحرب إلى حق نقض دستوري يشلّ الإصلاح ويحبس المجتمع في حالة جمود محكوم بآليات محددة (آلة جمود).
- نمط السلام المضاد المحدود (شبه الدولة): والذي يتسم باستقرار ظاهري في المراكز الحضرية الرئيسية إلى جانب حركات تمرد نشطة، أو حكم إجرامي، أو سيطرة أمراء الحرب في المناطق الطرفية (مثل مالي، وكولومبيا، وأوكرانيا 2014-2022)، ويتدهور بناء الدولة باتجاه مكافحة حركة تمرّد أو أي مجموعات مسلحة، بتجنيد رجال أقوياء محليين والقيام بعسكرة الحياة العامة.
- نمط السلام المضاد الشامل (الدولة القمعية): ويتسم هذا النمط بانتهاكات منهجية وشاملة لحقوق الإنسان على مستوى الأراضي، ويفرض هذا النوع من السلام أنظمة استبدادية أو احتلالات عسكرية، وتعتمد هذه "الدولة القمعية" على الإكراه الصريح، والمراقبة الإلكترونية، والفوضى، بينما تستغل السيادة ومبادئ عدم التدخل الدولية لعرقلة أي تدخل لسلطات السلام الدولية مثل مجلس الأمن.
الجزء الثاني: مراجعة الفصل الرابع- احتلال إسرائيل لفلسطين كنموذج للسلام المضاد (لمناهضة السلام) الشامل
يقدّم هذا الفصل دراسة حالة تجريبية شاملة ودقيقة، تتناول الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي والاحتلال العسكري لفلسطين كنموذج أساسي لنمط السلام المضادّ الشامل، ويوضح هذا الفصل كيف يمكن لقوة احتلال، مدعومة بقوة عظمى عالمية، أن تقوّض تماماً بنية السلام الدولية، وتحوّل صنع السلام إلى أداة للسيطرة الدائمة، وتوظّف أحدث التقنيات الرقمية لفرض نظام دولة قمعي صارم.
2.1 الجذور التاريخية و"مصفوفة السيطرة" الاستعمارية الاستيطانية
يتتبع المؤلفون أصول السلام المضاد (مناهضة السلام) غير المخفف في فلسطين إلى وعد بلفور عام 1917 والاحتلال العسكري عام 1967، حيث أسست الصهيونية التحريفية (الجوبوتنسكية التي تدّعي أنها التصحيحية) مشروعاً استعمارياً استيطانياً يتسم بديناميكيتين متزامنتين: التهجير المنهجي للسكان الفلسطينيين الأصليين، ومراكمة السيطرة على الأرض والسلطة وحيازة الشرعية الدولية.
وفي أعقاب حرب عام 1967 شيدت إسرائيل "مصفوفة سيطرة" معقدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تتألف من بنية تحتية مادية- نقاط التفتيش، والطرق الالتفافية، ومناطق العزل العسكري، وجدار الفصل، ومصادرة الأراضي، وهي بنية تُفرض من خلال حرب منخفضة الحدّة مع ممارسة العنف الإداري، وقد هدفت من ذلك إلى تفتيت الاتصال الجغرافي الفلسطيني، ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، وترسيخ الوقائع على الأرض لتصبح أمراً واقعاً لا رجعة عنه.
2.2 اتفاقيات أوسلو كعملية سلام مضادة كلاسيكية
يقدم هذا الفصل أيضاً نقداً لاذعاً لاتفاقيات أوسلو للسلام عام 1993، حيث يرى أنه بدلاً من أن توفر سبيلاً لتقرير المصير للشعب الفلسطيني، عملت كآلية سلام مضادّة (مناهضة للسلام) كلاسيكية، وقد تمثل ذلك بما يلي:
- التعاقد من الباطن في مجال الأمن: حيث أنشأ إطار أوسلو السلطةَ الفلسطينية، وألزم قواتها الأمنية بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي في عمليات مكافحة المقاومة الفلسطينية(الإرهاب)، وقد حوّل هذا السلطة الفلسطينية إلى متعاقد أمني من الباطن لصالح الاحتلال، مما جعل الأمن الفلسطيني يعمل ضدّ شعبه الفلسطيني بدلاً من إسرائيل.
- التفتيت الجغرافي: قسّم اتفاق أوسلو الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، مما أبقى 82% من الأراضي تحت السيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية المباشرة، وقد أدى ذلك إلى خلق نظام من الجيوب المنفصلة "الكانتونات" التي أعاقت التنمية الاجتماعية والاقتصادية الفلسطينية، كما أعاقت التواصل الجغرافي الفلسطيني وصادرت مئات الآلاف من الدونمات من أراضي المواطنين بحجج متعددة.
- التوسع الاستيطاني الهائل: من خلال تأجيل قضايا الوضع النهائي (الحدود، والقدس، واللاجئين، والمستوطنات) إلى أجل غير مسمّى، فاستخدمت إسرائيل عملية السلام غطاءً لمضاعفة أعداد المستوطنين غير القانونيين ثلاث مرات على الأقل في الأراضي الفلسطينية المصادرة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
2.3 حصار غزة، والسلطوية السيبرانية، والامتدادات الرقمية
تسلّط الدراسة الضوء على التطور التكنولوجي الحديث لنهج "مناهضة السلام" المطلق (أو غير المقيد)، ففي أعقاب "فك الارتباط" الإسرائيلي عن غزة عام 2005، استُبدل الاحتلال المادي العسكري والاستيطاني المباشر بحصار دائم بري وجوي وبحري، وتحوّلت إسرائيل من الحكم المباشر للأرض إلى "الإدارة الإنسانية" لسكان قطاع غزة، حيث عمدت إلى ضبط معدلات السعرات الحرارية والوقود والإمدادات الطبية للحفاظ على حالة أزمة مزمنة إنسانية وطبية وغذائية تقترب من عتبة الانهيار الشامل.
علاوة على ذلك، حوّلت إسرائيل فلسطين إلى مختبر يعمل على مدار الساعة لاختبار تقنيات عسكرية وتقنيات مراقبة متطورة.
كما يناقش الفصل الرابع في الكتاب كيف تعمل السلطوية السيبرانية على توسيع نطاق حكم الدولة الإسرائيلية القمعي، وذلك من خلال:
- رأس مال المراقبة وبرمجيات التجسس: فقد جرى اختبار تقنيات إسرائيلية ميدانياً على الفلسطينيين، مثل برنامج التجسس "بيغاسوس- (Pegasus)"، وشبكات كاميرات المراقبة المزوّدة بتقنية التعرف على الوجه، وقواعد البيانات البيومترية، والتي تم تصديرها لاحقاً إلى أنظمة حكم استبدادية حول العالم مقابل التطبيع الدبلوماسي.
- الحرب الآلية والطائرات المسيرة: صنّعت إسرائيل طائرات الاستطلاع والهجوم المسيرة، وصمّمت خوارزميات الاستهداف الآلي، مثل نظام "الإنجيل" أو The Gospel))، واستخبارات الإشارة، بما يوهم بالسيطرة المطلقة على الفلسطينيين، مما أدى إلى تجريد عملية التدمير التي تقوم بها ضد الشعب الفلسطيني من طابعها الشخصي (أي فصل القاتل عن القتل) وطمس معايير المساءلة بموجب القانون الدولي الإنساني.
2.4 حرب غزة عام 2023: عندما تتحول استراتيجية مواجهة المقاومة الدائمة إلى حرب كارثية
يرى المؤلفون أن هجمات حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب إسرائيلية على غزة، قد كشفت عن الخلل القاتل في نهج "مناهضة السلام" المطلق؛ إذ لا يمكن لإدارة الاحتلال عبر المراقبة الرقمية والحصار وسياسات التهدئة الدورية (التي توصف بـ "جز العشب") القضاء على حالة الهشاشة في العلاقة القائمة بين المحتل والشعب الواقع تحت الاحتلال.
ويُظهر رد فعل إسرائيل، الذي اتسم بسقوط أعداد غير مسبوقة من الضحايا المدنيين، والتدمير الممنهج للبنية التحتية المدنية، وفرض حصار خانق يمنع دخول الغذاء والمواد الطبية، فضلاً عن مواجهتها لدعوى إبادة جماعية أمام محكمة العدل الدولية، يُظهر أنه عندما تفشل جهود المكافحة الدائمة للمقاومة الفلسطينية، فإن "مناهضة السلام "(counter-peace)، غير المقيدة تتحول حتماً إلى حرب إبادة شاملة لا رادع لها.
وعلاوة على ذلك، فإن استهداف إسرائيل الممنهج لوكالة "الأونروا" وحظر عملها يكشف عن مسعى صريح لتقويض القانون الدولي وآليات الأمم المتحدة الإنسانية التي تحمي حقوق اللاجئين والشعب الفلسطيني.
2.5 تشابك "هندسة السلام الدولية" (IPA) مع التحالف الأمريكي-الإسرائيلي المناهض للسلام
قدّمت هذه الدراسة بتميز، وربما بانفراد، مساهمة جوهرية في هذا الفصل عندما كشفت الكيفية التي أصبحت بها "هندسة السلام الدولية" (IPA) نفسها متورطة بعمق في منظومة الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ أُجبرت وكالات الأمم المتحدة (مثل الأونروا) على تقديم مساعدات إنسانية ساهمت فعلياً في تحمل تكاليف الاحتلال العسكري الإسرائيلي.
وفي الوقت نفسه، دأبت الولايات المتحدة على استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من المساءلة بموجب القانون الدولي، مما أدى إلى تشكيل تحالف أمريكي- إسرائيلي مناهض للسلام، وقد جعل هذا التحالف تطبيق القانون الدولي أمراً مستحيلاً، وقوّض السلطة الأخلاقية والشرعية المحلية لـ "هندسة السلام الدولية" في جميع أنحاء دول الجنوب العالمي.
الجزء الثالث: التركيب والاستنتاجات- إعادة تمحور عملية صنع السلام حول العدالة العالمية
يُفضي الربط بين الفلسفة الجوهرية للكتاب ودراسة الحالة الواردة في الفصل الرابع إلى استنتاجات نظرية وعملية بالغة الأهمية لمستقبل صنع السلام العالمي، من أهمها:
- مغالطة إدارة الصراعات غير الليبرالية: حيث تؤدي إدارة الصراعات عبر الاحتواء، أو الردع العسكري، أو التهدئة الاقتصادية دون معالجة المظالم التاريخية الجذرية، حتماً إلى تصعيد كارثي للصراع.
- تآكل النظام الدولي: عندما يتسامح المجتمع الدولي مع ممارسات "مناهضة السلام" الجامحة، فإن ذلك يؤدي إلى تقويض النظام الدولي القائم على القواعد، كما أنّ ازدواجية المعايير (مثل التباين في ردود الفعل تجاه أزمة أوكرانيا مقارنة بالوضع في غزة) تقضي على شرعية العمل متعدد الأطراف.
- إعادة تمحور صنع السلام حول العدالة العالمية: لإنقاذ عملية صنع السلام من هيمنة قوى "مناهضة السلام" الطفيلية، يتعين على "هندسة السلام الدولية" التخلّي عن نهج فرض الاستقرار من الأعلى (من قبل النخب)، فالسلام الحقيقي يتطلب ارتباطاً وثيقاً لا غنى عنه بالعدالة العالمية، بما يشمل العدالة بكافة أبعادها ومعانيها ودلالاتها الأخلاقية والقانونية.
وفي النهاية، يستحق هذا الكتاب القراءة من أجل فهم أعمق للوضع المعقّد الذي أوجدته سياسات وممارسات "مناهضة السلام" هذه؛ إذ يستعرض الكتاب، في فصله الرابع كنموذج موسّع، واقع مناهضة السلام من جانب إسرائيل وسياساتها في هذا الصدد، وهي ممارسات تقوّض القضية الفلسطينية العادلة وتُسكت الأصوات الداعمة لها وتحاول محو الأدلة التي تثبت الحقوق والعدالة فيها، سواء كانت دينية أو تاريخية أو ديموغرافية، وتُظهر دراسة نموذج القضية الفلسطينية أن عناصر "مناهضة السلام" هذه يجب أن تكون ركيزة أساسية في الدراسات حول السلام وصنعه وعقباته والقوى المناهضة له في فلسطين والعالم، وقد طرح المؤلفون مقاربات بالغة الأهمية ومثيرة للاهتمام لنماذج جديدة في دراسات وبحوث صناعة السلام وحفظه.
قم بالاشتراك الآن في

مجلة دراسات شرق أوسطية

إشترك الآن