المقال الافتتاحي

الاختبار الأصعب: إعادة التموضع والمستقبل العربي

تتناول هذه المقالة الإشكالية والتحدّي الكبير الذي يواجه العالم العربي بخصوص إعادة التموضع الاستراتيجي، بهدف تجاوز حالة التأزم والأزمات المتنامية، وكذلك لاجتياز الاختبار الأصعب بإعادة اختيار الحلفاء في ظل فشل الولايات المتحدة في تحقيق الاستقرار والأمن والتنمية في العالم العربي على مدى العقود الخمسة الماضية، ويتناول كذلك اتجاهات وملامح المستقبل الممكنة في ظل إعادة تموضع شاملة على صعيد العلاقات الخارجية والتحالفات وإعادة بناء الدول العربية الوطنية لتكون اللبنة القوية في جدار الأمن العربي بكل أبنائها.
ويُعدّ التموضع العربي الاستراتيجي حالة أزمة حقيقية للمصالح العربية، ورغم نجاح العالم العربي باستخدام التكنولوجيا المتطورة، بل والإسهام في تطويرها في كثير من الأحيان، غير أن الحالة الاستراتيجية للعالم العربي لا تشير إلى حالة استقرار يمكن البناء عليها لمستقبل آمن للأجيال، ذلك أن الأزمات الإقليمية والداخلية، ناهيك عن استمرار إسرائيل بالعدوان والتوسع والتدخل بإثارة الاضطرابات في كافة أنحاء العالم العربي، وتتربص بكل حالة تتجه نحو الاستقرار في أنحاء العالم العربي، وبأدوات متنوعة بعضها مباشر وبعضها داخلي وبعضها عبر أدوات تستخدمها إسرائيل ودول إقليمية لزعزعة الحالة العربية على الدوام.
حيث إن إعادة التموضع الاستراتيجي العربي إنما تعني التقدم الواسع في مضمار التنافس والصراع الحضاري، وهو ما تهدده الاستراتيجيات العدوانية والتوسعية الصهيونية من جهة، ويهدده الاستغلال القائم للثروات والجغرافيا العربية من قبل دول الحضارة الغربية على وجه الخصوص من جهة أخرى.
وفي ظل المفاهيم والتجارب البشرية إزاء مكونات ومتطليات إعادة التموضع الاستراتيجي، فإنها تعني عربياً أن تتحول الدول العربية إلى ورش عمل يشارك فيها المجتمع وقواه المختلفة، إلى جانب النخب الحاكمة وأجهزة الدولة المتنوعة، لإحداث النقلة النوعية بأكبر قدر من الأمان من جهة، وبأكفأ الخطط للنجاح في رسم مستقبل موعود مزدهر للأجيال القادمة، والذي يقوم على الاستقلال والحرية والشراكة الوطنية والعربية الكاملة كجماعة وطنية بمصالح عليا واحدة ومتطابقة، ومن جهة أخرى ليكون العالم العربي مجتمعاً ودوله الوطنية في حالة تموضع متماسك وفاعل ويحقق المصالح العربية، ويشكّل حالة منعة فاعلة لمواجهة المهددات الخارجية والتحديات الداخلية على حد سواء.
ويواجه العالم العربي اليوم الاختبار الأصعب الذي يمر به القرار العربي في ظل التحولات الجيوسياسية التي يمر بها النظام الدولي من جهة والنظام الإقليمي من جهة أخرى، وهو يواجه اختباراً معقّداً ومتعدد الأبعاد إزاء الخروج من أزمات المنطقة الخارجية والداخلية، حيث تعتبر الولايات المتحدة المتنفّذ الأكبر في العالم العربي، بل وتتمتع بتحالفات من طرف واحد مع أكثر دول العالم العربي، غير أن العالم العربي لم يتمتع بالحماية أو التنمية أو التطوّر أو الاستقلال والمشاركة الدولية في رسم السياسات عبر بوابة الولايات المتحدة طيلة السنوات الخمسين الماضية.
ولذلك، وفي ظل المهددات والتحديات المتنامية فإن العالم العربي يواجه أصعب قراراته إزاء العلاقات مع الولايات المتحدة ومدى أهمية بناء التحالف معها ولماذا، وفي الوقت نفسه كيف يبحث عن خيارات ذاتية عربية وإسلامية ودولية أخرى، وما هي متطلبات هذا التحول على صعيد النخبة السياسية والقوى السياسية والاجتماعية العربية، وهل تستطيع الحكومات العربية اتخاذ مثل هذه القرارات دون أن تشكّل لنفسها حالة أمان وطني وعربي على الأقل لتجنب التورط بالانتقال إلى حالة رمادية من هشاشة الاستقرار والانكشاف أمام المتربصين في الإقليم، وخصوصا إسرائيل وبعض الدول الطامعة من القارات الثلاث، وذلك بهدف صياغة استراتيجيات مانعة للتبعية في عالم يُعاد تشكيله، وأن تكون قادرة على صناعة الفعل والاستجابة الفعالة للمتغيرات وفق مصالحها العليا.
ويفتح هذا الطرح الباب أمام التفكير الاستراتيجي العربي والفكر السياسي العريق للبحث عن استراتيجيات وسياسات يمكن أن تحمل تصوراً لمستقبل عربي آمن ومزدهر في ظل رؤية جماعية على المستوى العربي وعلى المستوى الوطني لكل دولة، ويشار إلى أن استعادة الهوية العربية الحضارية، والعمل معاً كأمة واحدة، إنما يعيد تنشيط عمليات البناء للشباب والمجتمع على أسس قوية وثابتة أمام عواصف العولمة غير المنضبطة.
كما أن أمام تحقيق الرؤية والاستراتيجيات إمكانات وفرصاً للتحقق بكفاءة ونجاح، لا سيما إذا انطلقت من القدرات الكبيرة التكاملية في البلاد العربية، إنْ على صعيد الثروة الزراعية والحيوانية، أو الممرات البحرية والبرية والجوية، أو الثروات النفطية والغازية، أو الثروات المعدنية الأخرى، أو الموارد البشرية المتميزة، وما تملكه الدول العربية من قوة خشنة أيضاً، ناهيك عن القدرات العلمية لتطوير هذه القوة.
ولذلك فإن إدماج هذه المكونات في رؤية واستراتيجيات مشتركة سوف يجعل من العالم العربي قوة إقليمية ودولية مؤثرة، ويوفر مناخاً متقدماً للحرية والعلم والتكنولوجيا والتنمية الشاملة، كما يوفر للأمة العربية الفرصة الكبرى للعمل مع الدول الكبرى في العالم على قدم المساواة لرسم سياسات واتجاهات المستقبل.
وبذلك يصبح العالم العربي قوياً ومستقراً وفاعلاً، ويتمتع باقتصاد قوي ومتكامل، ويصبح ذخره من الشباب قوة حضارية على مختلف المستويات، وهكذا يمكن أن يكون شريكاً في قيادة وإدارة العالم والمستقبل استناداً إلى رؤية واستراتيجيات وقدرات مكينة، وبالتأكيد فإن أمام هذا المستقبل وصناعته وتوفير متطلباته تحديات جمّة، لكن اتخاذ القرار وتنفيذه بروح الثقة والتطلع إلى المستقبل من قبل الحكومات وقوى المجتمع على الصعيد الوطني، ومن قبل القادة العرب ومؤسسات العمل العربي المشترك جماعياً، سوف يفتح آفاق المستقبل الواعد بقوة وإصرار وجدية كاملة، وبما يحقق الطموحات والتطلعات الواعدة للنخب الحاكمة والشعوب العربية على حد سواء.
قم بالاشتراك الآن في

مجلة دراسات شرق أوسطية

إشترك الآن