مراجعات الكتب

"أزمة الرأسمالية الديمقراطية"
د. علي محافظة

أستاذ التاريخ في الجامعة الأردنية، ورئيس مجلس أمناء جامعة آل البيت، وعضو هيئة تحرير مجلة دراسات شرق أوسطية.


ali.mahafzah@ju.edu.jo

صدر كتاب "أزمة الرأسمالية الديمقراطية" لمؤلفه الأمريكي مارتن ولف، عن دار النشر بنجوين في نيويورك عام 2023، ويحتوي على مقدمة، وأربعة أقسام تتضمّن عشرة فصول، وخاتمة، ويقع في 556 صفحة، وهو كتاب جدير بالقراءة لما يحتويه من تحليل علمي سليم.
وجاءت المقدمة بعنوان "لماذا ألفت هذا الكتاب"، ويعترف المؤلف فيها بأن آراءه قد تغيّرت مع انفتاح العالم، ويقول في هذا الصدد: "لا أعتذر عن ذلك، فالذين لم يغيّروا آراءهم خلال حياتهم لا يفكرون. ولكن قيمي لم تتغير. فقد ورثتها عن والديّ المهاجرين من أوروبا هتلر. إني أومن بالديمقراطية وبالتزامات المواطنة، وبالحرية الفردية، وبحرية الرأي، وبالتنوير وسيادة الحقيقة ... وقد أكدت هذه الملاحظات حينما استلمت جائزة جيرالد لوب للإنجاز مدى الحياة في صحافة الأعمال".
وتدور بقية المقدمة حول حياة والدَي المؤلف وبقية أفراد أسرته، وتأثير الأحداث السياسية في القرن العشرين فيهم. يقول المؤلف أن بداية القرن الحادي والعشرين شهدت تحولاً عميقاً في الديمقراطية الليبرالية نحو أنظمة سمّاها بعضهم "ديمقراطية غير ليبرالية"، وربما من الأفضل تسميتها "الحكم الفردي الديماغوجي". وفي ختام المقدمة أهدى كتابه هذا إلى أحفاده الستة.
أما القسم الأول من الكتاب فعنوانه "عن الرأسمالية والديمقراطية"، ويحتوي على ثلاثة فصول، عنوان الفصل الأول "النار هذه المرة"، ويذكر المؤلف فيه أنّ المؤرخ الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ" الذي صدر مع انتهاء الحرب الباردة عام 1989 قد أكد انتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية والسوق الحرة على الآيديولوجيات المعادية ونهاية الآيديولوجيا الشمولية، وأيد كثيرون هذا الرأي واعتقدوا أنّ الحرية السياسية والاقتصادية قد انتصرت، ولكنْ، لا الديمقراطية الليبرالية ولا رأسمالية السوق الحرة قد انتصرت في هذه الأيام، وهذا صحيح في البلاد النامية والناشئة أو الشيوعية سابقاً وفي الديمقراطيات الغربية. لقد أدى الفشل الاقتصادي إلى تضعضع الثقة برأسمالية العولمة، وأدى الفشل السياسي إلى ضعف الثقة بالديمقراطية الليبرالية، وأسفر صعود الصين التي رفض حزبها الشيوعي الصلة بين الرأسمالية والديمقراطية عن اهتزاز الثقة بالغرب.
ويذكر المؤلف في هذا الفصل أن الكتاب سيناقش الإحباط الاقتصادي باعتباره أحد التفسيرات لصعود اليسار واليمين الشعبويين في الديمقراطيات ذات الدخل العالي، ويرى أن الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية العولمة اللتين انتصرتا قبل ثلاثة عقود من الزمن قد فقدتا شرعيتهما، وأن توليف الديمقراطية والرأسمالية والرأسمالية الديمقراطية في أزمة، وأن طبيعة هذه الأزمة وما يجب عمله لحلها هو الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب.
أما الفصل الثاني من الكتاب فعنوانه "التوائم التكافلية: السياسات والاقتصادات في تاريخ البشرية"، ويرى المؤلف أنّ الاقتصادات تقدّم الأساس المنطقي الرئيسي للتعاون البشري، بينما تقدّم السياسات الإطار الذي يتم فيه هذا التعاون، وهما، أي الاقتصادات والسياسات، تتعايشان بالضرورة. ويوضح كيف تتشابك الاقتصادات والسياسات، وكيف نجحت رأسمالية السوق، وكيف تزاوجت رأسمالية السوق مع الديمقراطية الليبرالية. وهل كان تزاوج الأسواق مع الديمقراطية نحو الأفضل أو نحو الأسوأ؟ وبيّن نجاح الزواج الأصعب، وعرض المؤلف دروساً من القدماء عن هشاشة الديمقراطية، كما أوضح العلاقة بين الرأسمالية الديمقراطية والهوية الوطنية.
وفي الفصل الثالث، وعنوانه "تطور الرأسمالية الديمقراطية"، يقدّم المؤلف موجزاً تاريخياً للديمقراطية الليبرالية ولرأسمالية السوق، ولدورات الرأسمالية ودورات العولمة والصلة بين الديمقراطية والعولمة.
وفي القسم الثاني من الكتاب، وعنوانه "أين الخلل؟"، ثلاثة فصول هي الرابع والخامس والسادس، يبدأ بالقول المأثور: "إنه الاقتصاد يا غبي"، ويرى المؤلف في الرابع منها أن الثقة بالمؤسسات الديمقراطية واقتصاد السوق العالمي والنخب السياسية والاقتصادية قد تلاشت خلال العقود الزمنية الحديثة في الدول ذات الدخل العالي، وظهرت أنظمة الحماية الاقتصادية والعداء للهجرة، وفوق هذا كله، الاتجاه المتنامي نحو الشعبوية الاستبدادية. ويبحث المؤلف في اقتصاديات القلق من المكانة الاجتماعية، وكيف تطوّر الاقتصاد بصورة أضرّت بذوي التعليم المتدنّي، وكيف أدت الأزمات إلى زعزعة استقرار الاقتصاد، وفي الاقتصادات والثقافة والهجرة.
ويدور الفصل الخامس حول صعود الرأسمالية الريعية، حيث يرى المؤلف أنّ العالم الغربي قد عاش بعد الحرب العالمية الثانية فترة ازدهار واستقرار؛ فالنمو الإنتاجي السريع في تلك الفترة، وخاصة في أوروبا الغربية واليابان، أتاح نموّاً سريعاً في الدخول في ظلّ مشروع مارشال الذي بدأ عام 1948، وتلا هذه الفترة تقلّبات (صعود وهبوط) في الابتكار والإنتاجية، وانتقال عالميّ إلى السوق، وازدهار التكنولوجيا والعولمة والهجرة، وظهور الهشاشة في الاقتصاد الكلّي التي عصفت بالدول ذات الدخل العالي، والتوجه نحو الرأسمالية الموجهة غير العادلة، وظهور تحديات جديدة تمثّلت في الذكاء الاصطناعي، وتقلّبات المناخ، وظهور جائحة الكورونا كوفيد 19 كوباء عالمي.
ويتضمّن الفصل السادس مخاطر الشعبوية كظاهرة سياسية في الديمقراطيات ذات الدخل العالي. يرى المؤلف أنّ الديمقراطيات التي تختار الصيغة الديماغوجية للرأسمالية المستبّدة ينظر إليها كهزيمة لا يمكن تصورها، ويذهب إلى أنّ الرأسمالية الديمقراطية تواجه الآن أنماطاً من الاستبداد يتخذان شكلين مختلفين: أولهما رأسمالية استبدادية ديماغوجية، وثانيهما رأسمالية استبدادية بيروقراطية، وتشكّل الأولى خطراً داخلياً على الديمقراطيات الليبرالية ذات الدخل العالي، والثانية تشكّل تهديداً خارجياً عليها.
ويعتقد المؤلف أنّ الهجرة تلعب دوراً مركزياً في ردود الفعل الشعبية لدى اليمين، مثلما تلعب هذا الدور سياسات الهوية لدى اليسار. والهجرة لها صلة وثيقة بالعولمة، وهي ذات طابع خاص، لأنّ المهاجرين بشر لهم ثقافتهم وأسرهم وولاءاتهم ومهاراتهم العقلية وآمالهم ومخاوفهم وكل ما يتعلق بهم كبشر. والهجرة قضية مهمة لأنها تساهم في ممارسة العنف ضدّ المهاجرين من قبل الطبقات العليا التقليدية وطبقة التجار.
ويتناول المؤلف في هذا الفصل موضوع الشعبوية البلوتوقراطية والاستراتيجية الجنوبية، ويقول أنه على الرغم من الضغوط العديدة فإنّ معظم الدول الغربية ذات الدخل العالي تبقى ديمقراطيات ليبرالية باقتصادات رأسمالية واسعة، وأنّ التحول نحو التأكيد على الهوية العرقية والقومية والثقافية والحروب على الإجهاض واقتناء السلاح وحقوق الجندر هو الذي أدى إلى انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية ]يقصد في الدورة الأولى 2016-2020[. ولم يكن ذلك نتيجة ظهور الليبرالية غير الديمقراطية، وفشل النخب الاقتصادية، والتطورات الاقتصادية المزعجة مثل التراجع الصناعي والتحول الثقافي.
وعرض المؤلف في هذا الفصل "الفردية السامّة والشعبوية الاستبدادية"، وهو يرى أن الفردية المفرطة قد ساهمت في صعود الاستبداد الشعبوي في الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الشعبوية الديماغوجية من سمات الأنظمة السياسية الديمقراطية منذ ممارستها في أثينا القديمة. والواقع أنّ استيلاء الشعبويين المناهضين للتعددية على السلطة في الدول ذات الدخل العالي أمر نادر لحسن الحظ، ويتساءل المؤلف: هل بإمكان المركز الديمقراطي أن يصمد؟
أما القسم الثالث من الكتاب فيحتوي على الفصول السابع والثامن والتاسع، وعنوانه "تجديد الرأسمالية الديمقراطية". يدور الفصل السابع حول تجديد الرأسمالية. يقول المؤلف في بداية هذا الفصل: السؤال الكبير هو ما إذا كان التغير حتمياً أو أنّ النظام القديم الآيل إلى السقوط سوف يستمر هذه المرة بقبضة شعبوية يمينية، وما يجعل الخيار الأخير محتملاً صعوبة نجاح إصلاح النظام القديم. ينادي المؤلف بالإصلاح لا بالثورة، ويقول في هذا الصدد: يتطلع بعضهم إلى شيء أكثر إثارة من الإصلاح .. إنهم يتطلعون إلى ثورة مضادة للرأسمالية. وبعد أزمتين اقتصاديتين كبيرتين: الأزمة المالية عبر الأطلسي ثمّ وباء كوفيد خلال اثنتي عشرة سنة، وتلتهما حرب روسيا على أوكرانيا، دون أن نذكر التفاوت الكبير بين النمو البطيء وصعود المد الاستبدادي، وفوق الكل القلق المتزايد من القيود البيئية.
ويشير الكاتب إلى أنّ بعض الثوريين يرون أنّ الرأسمالية سرطان، ويجب إيقاف النمو الاقتصادي، وعلى الناس أن يعيشوا في عصر ما قبل الصناعة وحتى في عصر ما قبل الزراعة. ويردّ المؤلف على هؤلاء الثوريين ويبين خطأ آرائهم، ويدعو إلى إصلاح النظام السياسي والنظام الاقتصادي في العالم. ويمتدح المؤلف الهندسة الاجتماعية التدريجية، ويقول: "نحن نحتاج إصلاحاً جذرياً وشجاعاً للاقتصاد الرأسمالي مع الحفاظ على ما هو جيد فيه وإصلاح ما هو سيء". ويناقش المؤلف العقبات التي تواجه الإنعاش الاقتصادي، ويؤكد أن الحاجة الأساسية هي إصلاح جذريّ وذكيّ يهدف إلى تحسين جوهري لحياة معظم الشعب.
ويدور الفصل الثامن حول تجديد "الصفقة الجديدة The New Deal". يدعو المؤلف فيه إلى رفع مستوى المعيشة بشكل مشترك وعلى نطاق واسع ومستدام، وإلى استقرار الاقتصاد الكلي. ويعتبر المؤلف الابتكار والاستثمار الركيزتين الأساسيتين للنمو الاقتصادي. ويرى أنّ العولمة التي ظهرت في عقود الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين والسنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين، لم تكن قد ظهرت بمحض الصدفة، وإنما كانت نتيجة التجربة مع نجاح تحرير التجارة والاستثمار الدوليين بين حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية أولاً، ثم انتشرت في بقية دول العالم. ويتوقع المؤلف أنّ إيجاد وظائف جيدة للمؤهلين للعمل والمستعدين له مطلب أساسي للإصلاح، وأنّ تكافؤ الفرص وتوفير الأمن لمن يحتاجونه لا بدّ من تحقيقهما في خطة الإصلاح. والدولة هي التي تقوم بهذه المهمة باعتبارها حامية لرعاياها من الأعداء في الداخل والخارج. ولا بدّ أيضاً أن يستهدف الإصلاح استكمال دولة الرفاه الشاملة.
ويناقش المؤلف في هذا الفصل "وهم الدخل الأساسي الشامل" وقروض الطلبة وديونهم، والتأمين على مخاطر التقدم في السن (تأمين الشيخوخة)، والتكيّف مع المنافسة الاستيرادية، وإنهاء الامتيازات الخاصة بالقلة، وفشل إدارة الشركات في تطبيق القواعد والممارسات السليمة التي تضمن الشفافية والمساءلة والعدالة- أي سوء محاكمة الشركات. ويبيّن المؤلف مخاطر الاحتكار ومساوئه. ويشرح الاقتصاد الرقمي الجديد الذي يعتمد التقنيات الرقمية والإنترنت كركيزة أساسية لإنتاج السلع وتوزيعها واستهلاكها. ويرى أنّ الفساد هو سوء استعمال السلطة من أجل مكاسب خاصة، وهو خاصة أبدية للمجتمعات المنظمة، وكلما زادت الثروات وجد الدافع للسرقة وممارسة الفساد. وفي نهاية الفصل الثامن يبحث المؤلف في فرض الضرائب باعتبارها عدالة وثمناً للحضارة، ويرى أن القدرة لدى المشرّعين المنتخبين على تقرير أنواع الضرائب ومقاديرها أهم خاصية للديمقراطية.
أما الفصل التاسع من الكتاب فيدور حول تجديد الديمقراطية والدفاع عنها ونقدها ودحض هذا النقد واستعادتها. وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى مناقشة ضرورة المواطنة، ومخاطر سياسات الهوية؛ فهو يرى أنّ الهويات الإثنية القومية والدينية وغيرها من الهويات قد تعرقل الولاء الوطني الشامل. ويرى أيضاً أن أهمّ ما في الهجرة إدارتها وكيفية السيطرة عليها، فالدولة الديمقراطية تنتمي إلى مواطنيها المرتبطين بروابط من الولاء والثقة فيما بينهم. ويشرح نظام الجدارة وحدوده وقيود المريتوقراطية، ويرى أنه من الأفضل أخلاقياً وعملياً لنخبة أيّ مجتمع أن يتم اختيارها بالاستحقاق لا بامتيازات الولادة أو الثروة.
ويطالب المؤلف بإصلاح الجهاز الحكومي. ويرى أن الهوية المشتركة للمواطنين وتدويل الأنماط الديمقراطية الأساسية من أهم الشروط للديمقراطية الناجحة. وفي معالجته لضمان المساءلة الديمقراطية يرى المؤلف أنّ من التحديات جعل السلطة السياسية خاضعة للمساءلة. والديمقراطية التمثيلية اختراع مدهش، لأنها سمحت بإبداع الأنظمة السياسية عبر مساحات جغرافية واسعة، وجعلت الحكومة خاضعة للمساءلة أمام قاعدة ناخبين واسعة.
ويدعو المؤلف إلى تجديد وسائل الإعلام وتحديثها لأنه يرى أنّ الديمقراطية لا تعمل بدون وسائل إعلام بجودة عالية. ويذهب إلى أن الديمقراطية الليبرالية هي أفضل نظام حكم أخلاقياً وأنجح نظام حكم.
أما القسم الرابع من الكتاب وعنوانه "منعطف تاريخي" فيحتوي على فصل واحد هو الفصل العاشر الذي يدور حول الرأسمالية الديمقراطية في العالم. ويتساءل المؤلف في بداية هذا الفصل: ماذا تفعل الرأسمالية الديمقراطية؟ وهل هناك قواسم مشتركة بين النظام العالمي والنظام البيئي العالمي؟ ويجيب عن هذا السؤال بـ: نعم، وهي الهشاشة. ولذا يدعو إلى تقويتهما. ولكنّ التعقيد وحجم كل تحدّ يجعلانه أصعب. وفي دفاعه عن الرأسمالية الديمقراطية يرى المؤلف أنّ الديمقراطية الليبرالية تعيش تحت ضغط خارجي متنامٍ، وأهم مصادر هذا الضغط اليوم الدول ذات الحكم الفردي المطلق، وخاصة الصين، وروسيا الانتقامية التي أظهرت حقيقة نواياها في حربها على أوكرانيا، وكوريا الشمالية، وإيران.
وفي حديثه عن الديمقراطيات الليبرالية في العالم يقول إن الدول الديمقراطية ذات الدخل العالي تشكّل 16% من سكان العالم بينما تشكّل 41% من الناتج العالمي على أساس تعادل القوة الشرائية، وتؤلف 57% من أسعار السوق. وهكذا نرى أنّ هذه الديمقراطيات الليبرالية على الرغم من ضآلة عدد سكانها فإنها تمتلك قوة اقتصادية ضخمة جداً ونفوذاً سياسياً قوياً وواسعاً.
ثمّ يتوسع المؤلف في الحديث عن الصين وعن وهم الحرب الباردة معها، ويؤكد أنّ العلاقات مع الصين ستكون من المسائل المركزية لدى الديمقراطيات الليبرالية. وفي حالة الحرب الروسية على أوكرانيا من الصعب الاعتقاد بأنّ بوتين قد أقدم عليها بدون الحصول على ضوء أخضر من الزعيم الصيني شي جين بينغ.
ويعرض المؤلف نقاط قوة الغرب ونقاط ضعف الصين ويقول: "لحسن الحظ أنّ لدى الغرب نقاط قوة مهمة في المنافسة على النفوذ مع النموذج الصيني في الرأسمالية المستبدة. وبوجه عام فإنّ اقتصادات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها تزيد على اقتصاد الصين بنسبة (2) إلى (1). ويستمر الغرب في أن يكون على الحدّ التكنولوجي في معظم الصناعات. وقد تحبّ الشعوب في عالم اليوم أن ترى من يجابه الهيمنة الغربية، ولكن معظمها لا يفضل نظام الحكم الصيني. ويطرح المؤلف فكرة التعاون والمجابهة والمنافسة مع الصين. ويقول: يجب أن تقوم العلاقة مع الصين على التعاون والتنافس والتعايش والمجابهة، ولا نأمل في نزاع مفتوح أو نزاع مسلح معها، لأنّ ذلك كارثة إذا حدث.
وفي خاتمة الكتاب الذي يقع في (556) صفحة، يؤكد المؤلف أنّ الديمقراطية والرأسمالية التنافسية تؤلفان تزاوجاً صعباً، ولكنه تزاوج ثمين لنقيضين متكاملين؛ فاقتصاد السوق الذي يعمل وفق قواعد موثوق بها أقوى من أوهام الثورة القوية.
يعترف مؤلف الكتاب مارتن ولف بالأزمات السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية التي تجتاح أنظمة الحكم الغربية الديمقرطية الرأسمالية، ويبيّن أسبابها وتطورها، ويحذّر من أخطارها، ويقدم حلولاً جذرية لهذه الأزمات، ويدعو إلى إصلاحها. كما أنه لا يشعر بخطر الصين على الغرب في هذه الأيام.
والكاتب في نقده لأنظمة الحكم الغربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية يمارس نقداً علمياً موضوعياً نتمنى أن يمارس الباحثون العرب والمسلمون مثله في دراساتهم ومعالجاتهم لأحوالنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويوضّح المؤلف التطور الذي تشهده أنظمة الحكم الغربية الرأسمالية الديمقراطية ذات الدخل الفردي العالي ومخاطر هذا التطور على مستقبل الدول والأمم الغربية، ولكنّه يتجاهل الأزمة الأخلاقية وأزمة القيم الإنسانية في هذه الأمم والدول الغربية التي لا تتورّع عن شنّ الحروب على الدول والشعوب الضعيفة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وممارسة الإبادة الجماعية في هذه الحروب، كما في حرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل في قطاع غزة والضفة الغربية، بدعم ومساندة من الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية وكندا وأستراليا. وقد تجلّت حروب الإبادة الجماعية قبل ذلك في غزو الولايات المتحدة وحلفائها لأفغانستان والعراق، وحربها مع إسرائيل على إيران، وقتل عشرات الألوف من المدنيين والتلاميذ الإيرانيين في هذا العام.
ولا يخفي مؤلف الكتاب إيمانه بالقيم الأخلاقية اليهودية واعتزازه بها في مقدّمة الكتاب، بينما يتجاهل حروب إسرائيل ودعم الدول الغربية لها، ويتباهى بانتمائه إلى الدول الغربية الديمقراطية الرأسمالية، ويظهر عداءه واحتقاره للصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية.

الكلمات المفتاحية: --

قم بالاشتراك الآن في
مجلة دراسات شرق أوسطية
Logo
Mastercard Logo Visa Logo