The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقالات والتقارير

الأردن.. الخيارات الصعبة

فريق الأزمات العربي


يواجه الأردن تحدّيات صعبة، ويتعامل مع متغيّرات متسارعة وتحوّلات إقليمية ودولية كان لها تداعيات كبيرة على الأوضاع في المنطقة، وعلى استقرار العديد من دولها سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا. وقد فرضت هذه التحدّيات والمتغيّرات على الأردن عددًا من الخيارات الصعبة على المستويين الداخلي والخارجي. وفي ضوء ذلك يأتي هذا التقرير "الأردن.. الخيارات الصعبة" إسهامًا من فريق الأزمات العربي-ACT في خدمة صناعة القرار وتحريك النقاش حولها، وسعيًا لفتح الآفاق وتعزيز مختلف الخيارات التي تخدم المصالح العليا للبلاد.يناقش هذا التقرير خيارات الأردن في إدارة أوضاعه الداخلية سياسيًّا واقتصاديًّا، وفي إدارة منظومة علاقاته على مستوى الإقليم والعالم ودوره في القضية الفلسطينية.

على المستوى الداخلي، رغم أنّ الأردن خطى خطوات  نحو التعدّدية والمشاركة العامة بعد عام 2011، إلا أنّ تلك الخطوات تعرّضت لانتكاسة أدّت إلى بلوغ الحالة العامة في البلاد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا مرحلة حرجة، حيث التضييق على الحريات العامّة وهيمنة السلطة التنفيذية على السلطتَين التشريعية والقضائية وتراجُع نسب النمو، وارتفاع عجز الموازنة والمدنونية، وزيادة معدّل البطالة. وعلى مستوى القضية الفلسطينية و"صفقة القرن" تسود الأردن رسمياً وشعبياً حالة من القلق بشأن المطامع الإسرائيلية في المنطقة مع تعاظم التعنّت والتطرّف الإسرائيليَّين والانحياز الأمريكي، وتراجع أولوية القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية والإقليمية، فضلاً عن بروز خلافات بين الأردن وحلفائه العرب في دول الخليج في ضوء الحديث عن تزايد التواصل مع إسرائيل  والضغط على الأردن بشأن موقفه من الصفقة الأمريكية، وخصوصًا ما يتعلّق منها بالقدس واللاجئين، وذلك على حساب الأردن ومصالحه. وعلى المستوى العربي والإقليمي والدولي، واجه الأردن تحدّيات مهمّة بحكم موقعه الجيوسياسي وسط محيط ملتهب وتفاعلات إقليمية متداخلة أثرت على دوره الجيواستراتيجي، حيث استقبل الأردن أعدادًا كبيرة من اللاجئين السوريين، وأُغلِقت المنافذ الحدودية التجارية مع كلٍّ من العراق وسوريا ما زاد الأعباء على الاقتصاد الأردني. كما أثّر تراجع علاقاته مع دول الخليج العربية وتراجع حجم مساعداتها للأردن على واقعه السياسي والاقتصادي.

وفي ضوء هذه المعطيات تتحدّد خيارات الأردن المستقبلية على هذين المستويين الداخلي والخارجي، حيث ثمّة ثلاثة خيارات أمام الأردن على المستوى الداخلي للتعامل مع المرحلة القادمة: أوّلها المحافظة على السياسات القائمة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا دون تغيير جوهري، وثانيها تعزيز المسار الديمقراطي والتقدّم صوب مزيد من الإصلاحات السياسية، وثالثها التراجع في مجال الحريات والإصلاح السياسي، واعتماد سياسة أمنية أكثر تشدّدًا.أمّا على مستوى الخيارات المستقبلية للأردن على الصعيد الخارجي فثمّة مستويين من هذه الخيارات: أوّلها على صعيد التموضع السياسي وإدارة العلاقات الخارجية، وتتمثّل في ثلاثة خيارات هي: استمرار التموضع الحالي، أو التحوّل في العلاقات والانتقال إلى تموضع جديد، أو الانفتاح وتنويع الخيارات. وثانيها على صعيد الموقف من "صفقة القرن"، وأمامه خياران هما: تمرير الصفقة وتجنّب مواجهتها، أو إعلان موقف معارض للصفقة والعمل على تعطيلها.

وتعمل جملة من المحدّدات الداخلية والخارجية على الترجيح بين هذه الخيارات، ومن أبرزها على المستوى الداخلي: مدى توفر القناعة والإرادة الذاتية بأهمية تطوير مسار الديمقراطية والإصلاح الشامل السياسي والاقتصادي، وتوسيع منظومة العلاقات الإقليمية والدولية، ومدى الاستعداد لتحمّل تبعات ذلك. إضافة إلى  توجّهات الحالة الشعبية، ومدى تفاعلها سلبًا وإيجابًا مع تبنّي أيّ من الخيارات المطروحة، وتشكّلها كجماعة وطنية، ودور القوى والأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. وموقف التيار المحافظ وقوى الشدّ العكسي التي تعارض إحداث مزيد من الإصلاحات وإعادة التموضع الإقليمي. أمّا على المستوى الخارجي فمن أبرز المحددات: مدى شعور الأطراف الإقليمية والدولية بضرورة مراعاة حاجات الأردن واعتباراته الخاصة حفاظًا على استقراره. ومواقف حلفاء الأردن الإقليميين التقليديين، ومدى تأثّرهم باتجاهاته الجديدة، وانعكاساتها على دوره ومصالحه. ومستوى انفتاح أطراف دولية وإقليمية جديدة على الأردن سياسيًا واقتصاديًا، واستعدادها لتحمّل أعباء هذه العلاقات.

ويمثل الخيار الأمثل لتعاطي الأردن مع التحديات التي تواجهه على المستوى الداخلي في"تعزيز المسار الديمقراطي والتقدّم صوب مزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية"، ومن أهم متطلبات تحقيق هذا الخيار: بلورة الإرادة السياسية للتغيير عمليًا، وتحمّل تبعاته وقبول نتائجه وفق الإرادة الشعبية ومصالح البلاد العليا. وبلورة رؤية استراتيجية وطنية مشتركة لمعالجة الاختلالات الأساسية في إدارة الشأن العام السياسي والاقتصادي على حدٍّ سواء.

أمّا على المستوى الخارجي فإنّ تنويع الخيارات وتوسيع منظومة العلاقات وتحقيق التوازن هو الخيار المفضّل من حيث النتائج الإيجابية المترتبة عليه، ومن حيث واقعيته والقدرة على تبنيه وتحمل التداعيات المترتبة عليه. ومن أهمّ متطلباته: محافظة السياسة الأردنية الخارجية على ثوابتها المرتبطة بالقيم الحضارية والقومية والوطنية الأردنية، وخصوصًا ما يتعلّق بالعروبة والقضية الفلسطينية. ومبادرة الأردن لبناء علاقات أقوى مع دول الإقليم خصوصًا مع تركيا، وإلى حدٍّ ما إيران، بالحدود الاقتصادية والسياسية التي لا تُخلُّ بالتزاماته المرتبطة بعلاقاته العربية، مع محافظته على علاقاته الدولية مع الغرب في المدى المنظور، وبما يحقّق الدعم الاقتصادي ويوفر المظلّة السياسية والدعم العسكري والأمني.

أما بخصوص الموقف من "صفقة القرن" فيبدو خيار الأردن بمعارضتها هو الأقوى، نظرًا لأنّ خيار تمريرها قد يجنّب الأردن آنيًّا بعض الضغوط السياسية والاقتصادية، غير أنّ نتائجه وتداعياته الاستراتيجية على المصالح الوطنية العليا للأردن وعلى شرعية موقفه تجاه القضية الفلسطينية بالغة الخطورة. وأنّ تداعيات موقفه المعارض لقرار نَقْل السفارة الأمريكية إلى القدس أظهرت بوضوح قدرته على تحمّل الضغوط الخارجية، بل انعكس بصورة إيجابية بحترام موقفه ودوره الإقليمي، ودفع الأطراف الإقليمية والدولية لزيادة حجم مساعداتها للأردن، تجنّبًا لاندفاعه بصورة أكثر استقلالية عن مواقف تلك الأطراف؛ حيث ترى هذه الأطراف أنّ استقرار الأردن ما زال مطلبًا إقليميًا ودوليًا يدفع باتجاه عدم المبالغة بممارسة الضغوط عليه، وهو ما كشفته تداعيات الأزمة الاقتصادية التي واجهها الأردن بدايات شهر حزيران/ يونيو 2018.

ومن هنا يقدّم فريق الأزمات العربي- ACT في هذا التقرير توصيات لمواجهة صعوبات خيارات الأردن وتحدياتها في المرحلة الراهنة والمستقبلية ولدعم ترجيحاته في اختياراته المختلفة، ومن أهمّ هذه التوصيات على الصعيد الداخلي: بلورة رؤية استراتيجية وطنية لتطوير البنية السياسية ولمعالجة الاختلالات الجوهرية في إدارة الشأن العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي. تطوير التشريعات الناظمة للحياة السياسية، بما يعزز دور الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، ويرفع مستوى المشاركة الشعبية في الحياة السياسية، ويستعيد الثقة الشعبية بالعملية السياسية ومؤسسات الدولة، وينتج مؤسسات منتخبة تعبّر بصورة حقيقية عن الإرادة الشعبية. تعزيز الجبهة الداخلية، وبناء شراكة وطنية حقيقية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية مع مختلف القوى الوطنية بتوجهاتها المتعددة الإسلامية منها والقومية واليسارية وغيرها. خفض الهدر في نفقات الحكومة، وإعادة هيكلة القطاع العام، وتطبيق أسلوب حوكمة فعّال وكفؤ يعطي مزيدًا من الشفافية والمساءلة. وتشجيع الاستثمار السياحي والصناعي والزراعي والخدمات باستثمارات محلية وعربية ودولية، وإزالة ما يعيق تطورها، وإعطاء التصدير أولوية قصوى باعتباره محركًّا للنمو الاقتصادي.

 ومن أهمّ التوصيات على المستوى الخارجي: تطوير وتوسيع منظومة العلاقات الخارجية، واعتماد سياسة تنويع دائرة الخيارات في العلاقات الإقليمية والدولية، والحرص على التوازن فيها، مع المحافظة على العلاقات التقليدية التي يتمتع الأردن معها بعلاقات قوية. تعزيز استقلالية القرار السياسي والاقتصادي، وزيادة فرص اعتماد الأردن لسياسة الحياد الإيجابي في علاقاته الخارجية، والابتعاد عن لعبة الاصطفافات والمحاور الإقليمية والدولية المتصارعة. تعزيز الجبهة الداخلية التي يمكن لها أنْ تقدّم الدعم المطلوب للموقف الرسمي تجاه الحلول التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن، والتي يمكن لها أنْ تدفع الأطراف الأخرى لتعديل مواقفها، وأنْ لا تذهب بعيدًا في ضغطها على النظام الرسمي. التمسك بثوابت الموقف الأردني من القضية الفلسطينية، ورفض التساوق مع مشروع "صفقة القرن"، والتنسيق مع القوى الفلسطينية في العمل على إفشاله ومواجهة تداعياته الخطيرة على الأردن والقضية الفلسطينية، مع الحرص على تقليل حجم الانعكاسات السلبية لهذا الموقف -المنسجم مع مصالح الأردن الاستراتيجية- على الوضع الاقتصادي للمملكة بإجراءات وطنية وعلاقات اقتصادية بديلة. والتأكيد على أنّ الأردن دولة قادرة على اتخاذ قراراتها المتعلّقة بمصالحها الوطنية العليا وبشكل مستقلّ، وأنها ليست مضطرة إلى الالتزام بما يقرّره الآخرون بدعوى محدودية الإمكانات.

عودة