The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقالات والتقارير

الأزمة الليبية إلى أين؟

فريق الأزمات العربي


تُشكِّل الأزمة الليبية أحد أبرز الأزمات التي تشهدها المنطقة العربية، ونظراً لأهمية هذه الأزمة وتداعياتها المختلفة على الأمن والاستقرار في الإقليم، فقد رأى فريق الأزمات العربي-ACT أن يخصص هذا العدد من تقاريره لبحث الأزمة الليببية؛ حيث يتناول بدايةً خلفيات الأزمة، ثم يوصِّف الأزمة وأسبابها، ويلخص أبرز المواقف العربية والإقليمية والدولية منها، ومن ثمَّ، يَرسم السيناريوهات المتعلقة بتطور الأزمة وشروط تحقق كل منها وتداعيات تحققها على المستوى الداخلي والإقليمي، وأخيراً يقدم عدداً من التوصيات للأطراف المعنية على المستوى الليبي والإقليمي والدولي.

تولى العقيد معمر القذافي الحكم في ليبيا بعد انقلاب عام 1969، حيث ألغى الحكم الملكي وأنشأ الجمهورية العربية الليبية، واستمر في حكم البلاد مدة 42 عاماً حتى ثورة "17 فبراير" عام 2011 التي أسقطت نظام حكمه بعد قتال شرس.

بدا واضحاً أن ليبيا في عهد الملكية لم تحظَ بعقد اجتماعي حقيقي يُجذر مفهوم المواطنة ويؤدي إلى نجاح مشروع الدولة الحديثة في البلاد، وهو ما بدا غائباً أيضاً في عهد القذافي الطويل الذي اختزل الحكم في شخصه، ولم يسعَ إلى إنشاء مؤسسات حقيقية في ليبيا؛ وبذلك تمايزت الثورة في ليبيا عن مثيلتيْها في كل من مصر وتونس حيث كان ثمة مؤسسات للدولة فيها، بصرف النظر عن كونها ديمقراطية أو لا، تمثلت بالجيش والمؤسسات السياسية مثل البرلمان والأحزاب، ما نتج عنه أن ليبيا لم تشهد منذ الاستقلال حراكاً سياسياً وحزبياً حقيقياً، باستثناء فترة قصيرة في عهد الملكية، ولذلك توصف ثورة 17 فبراير، بأنها ثورة شعبية عامة أكثر من كونها حراكاً سياسياً منظماً.

وفي توصيف الأزمة في شقها السياسي يُفصِّل التقرير في تطورات الأوضاع في ليبيا منذ عام 2011 إلى أن انتهت إلى أزمة عميقة تتمثل بوجود حكومة مستقلة في الشرق الليبي يرأسها عبد الله الثني وتدعمها قوات اللواء خليفة حفتر، أما العاصمة طرابلس والغرب فتُسيِّر شؤونه حكومة الوفاق الوطني ويقودها رئيس المجلس الرئاسي المنبثق عن اتفاق الصخيرات فايز السراج، وتدعمها تشكيلات عسكرية مختلفة.

وفي الشق الاقتصادي، وبسبب غياب الحد الأدنى من المشتركات التي تجمع الحكومتيْن حول سبل إدارة البلاد، انهار الدينار الليبي أمام الدولار، فبعد أن كان الدولار يساوي 1.25 ديناراً ليبياً عام 2011 انهار في السنتين الأخيرتين ليصبح الدولار يساوي 7 دنانير ليبية. كما تشهد ليبيا أزمة سيولة نقدية خانقة متمثلة في ندرة العملة الأجنبية في البنوك التجارية يرافقها غلاء المواد الأساسية وتراجع المخزون الاستراتيجي لهذه المواد، إضافة إلى مشاكل التيار الكهربائي الذي ينقطع لفترات طويلة في البلاد.

يُضاف إلى ذلك التحديات الأمنية الكبرى سواء في العاصمة طرابلس أو في بقية المدن والأقاليم؛ حيث لا تتحكم حكومة الوفاق الوطني بأغلب الأطراف المسلحة على الأرض ذات الولاءات السياسية المتعددة سواء لأحزاب أو لمدن أو لقبائل.

كما يُجمل التقرير دوافع الأزمة بعدة نقاط أبرزها: غياب مؤسسات حقيقية للدولة طوال فترة حكم القذافي، الذي أدار ليبيا بشكل فردي وعمل على إضعاف مؤسساتها وأحزابها ومجتمعها المدني؛ وتكدس السلاح في البلاد وتهريبه وانتشاره ما أدى إلى نشوء تنظيمات وجماعات مسلحة على امتداد الجغرافيا الليبية وتعدد ولاءاتها؛ والتدخلات الخارجية الإقليمية والدولية في الشأن الليبي وباتجاهات متناقضة لرسم مسقبل الدولة بعد سقوط القذافي؛  وتزايد البعد القبلي والعشائري وانخراطه في السياسة والعمل المسلح، وذلك على حساب الدور الذي كان من المفترض أن تلعبه الأحزاب السياسية التي تم حظرها طوال فترة القذافي؛ وبروز الثنائية بين "ليبراليين" و"إسلاميين"، انتهاءً بصراع المصالح الشخصية والقبلية والجهوية والفئوية. 

أما فيما يتعلق بمواقف الأطراف العربية والإقليمية والدولية من الأزمة في ليبيا وتأثيرها في الأزمة، فينتهي التقرير إلى أن مجمل هذه المواقف، وخاصة المصري والغربي منها، يسعى إلى إيجاد مكان لحفتر في الاتفاق السياسي، والذي ما زال خارجه حتى اللحظة.

ويُقدِّم التقرير أربعة من السيناريوهات المتوقعة للأزمة الليبية: أولها وقف الأعمال القتالية والحل السياسي على أرضية اتفاق الصخيرات والقبول بحكومة الوفاق الوطني المنبثقة عنه، وثانيها عسكرة الدولة وحسم الاقتتال في ليبيا عسكرياً لصالح اللواء حفتر، وثالثها تقسيم الدولة وترسيم الانقسام السياسي‌، وآخرها استمرار الوضع القائم المتمثل بالاقتتال والفوضى.

ويخلص التقرير إلى أن استمرار الوضع القائم ينطوي على أخطار كبيرة على المستويين الداخلي والخارجي، غير أن نجاح سيناريوهيّ التقسيم أو عسكرة الدولة ينطويان على أخطار أكبر على مستقبل الوضع في ليبيا، ويهددان بصورة أكبر أمن دول الجوار واستقرار المنطقة التي تعاني حالة فوضى واضطرابات سياسية وأمنية.

وفي المقابل يؤكد التقرير بأن سيناريو الحل السياسي ينطوي على نتائج إيجابية كبيرة على الصعيديْن الداخلي والخارجي، الأمر الذي يدعو إلى اعتماده خياراً مفضلاً، ما يدعو إلى ضرورة تضافر الجهود الليبية والإقليمية والدولية من أجل إنجازه وتذليل العقبات التي تعترض طريقه، في ظل خطورة البدائل الأخرى.

ومن أجل زيادة فرص تحقق سيناريو الحل السياسي يقترح تقرير فريق الأزمات العربي عدداً من التوصيات للأطراف الليبية، ودول الجوار والأطراف الإقليمية، والأطراف الدولية، ومن أبرزها: دعوة الأطراف الليبية إلى الحرص على حفظ وحدة البلاد والحيلولة دون تقسيمها على أسس سياسية وجغرافية وقبلية، والوقف الفوري لكل الأعمال القتالية، ووقف استنزاف مقدرات الدولة، ودعوة دول الجوار والأطراف الإقليمية إلى التوقف عن دعم أطراف الأزمة الليبية بالسلاح والعتاد، والدفع باتجاه إنجاح الجهود السياسية، وإنجاح حكومة الوفاق الوطني، ومعالجة أية ملاحظات لبعض الأطراف عبر الحوار السياسي بعيداً عن الاحتكام للسلاح، وأخيراً دعوة الاطراف الدولية إلى ضرورة التزامها بمخرجات الاتفاق السياسي، والتوقف عن تقديم الدعم للأطراف الخارجة على هذا الاتفاق تحت غطاء التدريب والخبراء العسكريين.

عودة