The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقال الإفتتاحي

الأردن: تحولات استراتيجية في الواقع والدور


يمر الأردن بمرحلة تحول استراتيجي على مختلف الصعد، يعتقد عدد من المحللين أنها ربما تنقله إلى صورة وواقع وتحالفات وتركيبة سياسية جديدة، وتشير مصادر المعلومات إلى أن أحلام المشروع الصهيوني في الوطن البديل للفلسطينيين في الأردن لم تتبخر كما خيل إلى البعض بعد توقيع اتفاقية وادي عربه عام 1994، كما يظهر أن عددا من التحولات الجارية على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي ما فتئت تشكل عوامل تغيير قوية في البنية الاجتماعية والسياسية في البلاد، وان عددا من الأطراف الفاعلة في السياسة الشعبية -إن جاز التعبير- يبدي تحفظات كبيرة على هذه التحولات، وذلك بسبب التخوفات المتزايدة من تداعياتها الأمنية والاقتصادية والسياسية على المملكة، وفي حال استمرت هذه التحولات في منحى التغير المتسارع فقد تتشكل بؤر توتر اجتماعي وسياسي متزايدة في مفاصل المجتمع، والتي قد تتسبب بتغيير بعضٍ من الأسس والسياسات السابقة التي شكلت لبنات مهمة في الحفاظ على النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وهو ما قد يتيح الفرصة لتشكلات ومكونات جديدة مما يستلزم توفير شبكة أمان لتلعب دور الحفاظ على البلاد من الأخطار الخارجية، ومن الانزلاقفي إشكالات اجتماعية. 
تقف إسرائيل والولايات المتحدة على رأس الأطراف التي تسعى لإعادة تشكيل البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدول المنطقة، وذلك لحل مشاكلهما الخاصة في كل من فلسطين والعراق، ويعتقد بأن منهج صناعة الرأي العام، واتخاذ القرار في المملكة لا زال حرجا جدا في التعامل مع هذه المؤثرات، نظراً لما يشكله خطأ الحسابات فيها من تداعيات استراتيجية على مستقبل المملكة، وقواها السياسية ونخبها المتنفذة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على حد سوءا.
وتلعب عوامل إقليمية ودولية دوراً ربما يكون أكثر تأثيراً على الواقع الداخلي والدور الإقليمي للمملكة، ويشار إلى تزايد الاختلافات العربية والتي يقع الأردن في مركزها خلال السنوات الأخيرة، كما يشار على وجه التحديد إلى ارتباط الأردن بمحور عربي جديد أطلق عليه محور الاعتدال العربي، والذي ترى الولايات المتحدة انه حليفها الأهم بعد إسرائيل طبعا في المنطقة لاعتبارات المصالح الأمريكية العليا في الشرق الأوسط، ولكن عجز هذا المحور عن إصلاح الوضع العربي وجمع الصف العربي، وعدم قدرته على الإسهام في حل الخلاف الفلسطيني أو تحقيق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني أو الضغط على الولايات المتحدة لتغيير سياساتها في العراق نحو إنهاء الاحتلال ووقف الحرب الدموية فيه، وفي نفس الوقت الاستجابة المتسارعة والواسعة لأولويات السياسة الأميركية القائمة في المنطقة، والتي أدت إلى تغير أدوار دول هذا المحور المحلية والإقليمية والدولية، الأمر الذي بدأ يتسبب بانعكاسات ملموسة على الاستقرار السياسي الذي تمتعت به على مدى العقد الماضي، سواء بفعل المجموعات المتطرفة أو إسرائيل أو جيوب الولايات المتحدة ذاتها المدنية منها والعنفية على حد سواء، ومن هنا فان الأردن بدأ يتأثر بهذه الموجات المتلاطمة في الإقليم انطلاقا من هذا التحول. 
ويشار إلى أن هذه العوامل الاستراتيدجية المؤثرة تتكاتف مع الإجراءات الاقتصادية التي تشهدها المملكة منذ أكثر من عامين، والمتعلقة بتزايد الأسعار بشكل غير مسبوق، والتي بدأت تفرغ جيوب المواطنين، وتحجم الطبقة المتوسطة، وتحول الكثير من أسرها وأعضائها إلى مجموعات ما تحت خط الفقر، وفي نفس الوقت نمت قدرات طبقة الأثرياء أو أصحاب الرساميل المتحالفين مع أرباب المال العربي والدولي، تحت مسميات الشريك الاقتصادي الاستراتيجي وتحرير الاقتصاد والخصخصة والتحول نحو اقتصاد السوق وما شابه من برامج ونظريات وتوجهات، إضافة إلى التجاوب مع شروط البنك الدولي وتعليمات منظمة التجارة العالمية.
كما يضاف إلى العوامل المؤثرة السابقة فقدان الفرص المتاحة في المنطقة ومن أهمها حرمان الأردن من الاستفادة من التصدير إلى الضفة الغربية وقطاع غزة (الذي قد يصل إلى 1,5 مليار دولار سنوياً) من قبل إسرائيل وبسبب الموقف السياسي الذي تقفه المملكة إلى جانب الفريق الخاسر في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وهو أمر يثير الكثير من القلق لدى القيادات المجتمعية والسياسية مخافة تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وتداعياتها على الاستقرار والنسيج الاجتماعي، وتعمل الدولة الأردنية بكل جهودها لاحتواء هذه التداعيات، ولكن المتاح لديها من موارد سياسية واقتصادية في هذا المضمار لا زال متواضعا، خصوصا وأنها لم تتحول بعد نحو الحوار الوطني الواسع والمفتوح مع القوى السياسية والاجتماعية الأبرز في المجتمع وعلى الأخص الحركة الإسلامية والأحزاب السياسية والنقابات المهنية والقيادات الاجتماعية ورجال الأعمال والمثقفين ومراكز البحث الوطنية لتقديم الحلول والتصورات الخلَّاقة للخروج من هذه المآزق، ومنع الوصول إلى نقاط انسداد اجتماعي، والمحافظة بالتالي على الاستقرار والتكامل والتعاون بين مكونات المجتمع والدولة المتعددة، في حل المعضلات التي تسببها التحولات الإقليمية والعالمية، ناهيك عن التفكير الجاد بإعادة النظر بعدد من السياسات والتحالفات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية لصالح حماية الدولة والمجتمع، وتطوير دور المملكة، وتقوية إمكاناتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في توفير البدائل للخيارات الاضطرارية التي دخلت فيها في بعض السنوات الماضية . 
في ظل هذه الإشارات إلى ما ينتظر الأردن من إشكالات وتحديات فان العقل الأردني أصبح الملجأ الأساسي للإسهام في التأثير على هذه التحولات المحتلمة، وعلى المخاطر التي تصحبها، كما أصبح الملجأ لرسم مستقبل البلاد للسنوات العشر القادمة وفق المصالح العليا التي يتفق عليها أبناء البلاد بمكوناتهم المختلفة بعيدا عن الإقصاء والتهميش أو الاستخفاف ببعض القوى والأطراف المهمة، وضرورة الانفتاح على مختلف الخيارات والتوجهات لبلورة استراتيجية وطنية تقوم على حماية الأردن وتقويته وتحصينه، وفي نفس الوقت تطوير وتعديل سياساته المختلفة في ضوئها .
ويعتقد أن جهات صناعة القرار في الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، هي الجهات الوطنية التي تستحق الثقة للإسهام المأمون في هكذا لحظة تاريخية لترشيد الواقع ورسم المستقبل والمشاركة في تحمل المسئولية بمسئولية.

عودة