The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقال الإفتتاحي

خريطة الطريق لا تحقق الحلم الفلسطيني وتطبيقها يصطدم بالتعنت الإسرائيلي

رئيس التحرير - جواد الحمد


تشير الدراسة المتفحصة النصّية منها والتحليلية لخريطة الطريق الأميركية الدولية لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى كثير من الغموض غير المبرر في اتجاهات الخريطة ومراحل تنفيذها عطفاً على أسباب ودوافع الصراع الأساسية، كما تشير إلى التجاهل الكامل لعدد من مرجعيات الشرعية الدولية، ناهيك عن شطبها للمرحلة التي سبقت عدوان حزيران عام 1967 من المرجعيات السياسية والقانونية على حد سواء.

ويشير المفهوم العام الذي قامت عليه الخريطة وفق ما أعلنه الرئيس الأمريكي جورج بوش في 24 حزيران عام 2002، بالعودة إلى مفهوم حل الدولتين، أي إقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب الدولة اليهودية على أرض فلسطين، وبرغم أن القرار رقم 181 لعام 1947 يشكل المرجعية القانونية الوحيدة دولياً لهذا المفهوم غير أن مشروع الخريطة لم يشر إليه من قريب أو بعيد، لأنه يرتب على إسرائيل العودة إلى حجمها بقرار التقسيم المذكور البالغ 54 % من أرض فلسطين التاريخية، فيما هي اليوم تسيطر سيادياً وباعتراف دولي على 78% من تلك الأراضي. كما تثير الوثيقة التساؤل عن جدية فهمها لطبيعة الصراع وحرصها على الوصول إلى تسوية دائمة عندما تتجاهل كلياً أي قرار يتعلق بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، ولاسيما قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1947، وهو القرار الدولي الوحيد الذي ينص في إحدى مواده صراحة على حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، وفي ظل اعتبار الباحثين والمختصين والخبراء في شئون المنطقة مشكلة اللاجئين أساساً للصراع، فإن الخريطة المقترحة إذن تتجنب الدخول في آليات متكاملة لحل الصراع حلاً عادلاً، وتثير الفضول حول المرجعية التي سيتم الاعتماد عليها في معالجة هذا الأمر، وبالقدر والمثل نفسيهما يستنتج الباحث والدارس تغييب قرارات الأمم المتحدة المتعلقة ببطلان أي إجراء إسرائيلي في القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

من جهة أخرى، فقد ركزت الخريطة على دور الجانب الفلسطيني في حماية الأمن الإسرائيلي الشامل أي في كل مكان ، ويشمل ذلك بالطبع المناطق الاستيطانية التي تغطي حوالي 60% من مساحة الضفة الغربية، و40% من قطاع غزة، وأكثر من 84% من مساحة القدس الشرقية، أي أنه يستبعد من حيث الشكل والمبدأ السيطرة الفلسطينية الكاملة على هذه الأجزاء، لأن زوال الاستيطان والاحتلال العسكري منها سوف يوقف أي عمليات مسلحة تلقائياً نظراً لغياب الهدف لهذه العمليات وهو الاحتلال، ولذلك لماذا يتكرر هذا المطلب؟.

ومما أثار تساؤلاً كبيراً عن الماهية الأمنية التي تسعى لها الخريطة، وهو ما دفع الكثير من المفكرين والسياسيين والخبراء العرب إلى اعتبار هذا المطلب بتفاصيله المختلفة مطالبة بالاستسلام وليس إجراءات متبادلة لتحقيق مبدأ الأرض مقابل السلام كما تشير الوثيقة في مطلعها، وشككت فصائل المقاومة الفلسطينية في جدية الخريطة وقدرتها على تحقيق المكاسب الفلسطينية المشار إليها والمتعلقة بزوال الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على كامل الأراضي التي احتلت إثر عدوان 4 حزيران/يونيو عام 1967.

وعلى صعيد آخر، فإن الدراسات الإحصائية تثبت أن حوالي 70% من عمليات المقاومة الفلسطينية كانت رداً مباشراً على اعتداءات إسرائيلية، فيما كانت العمليات الاستشهادية منها بنسبة تصل إلى 96% رداً على مجازر، أو اجتياحات، أو اغتيالات، أو اعتداءات صارخة قام بها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وتبقى نسبة 30% من العمليات التي تبادئ بها المقاومة الفلسطينية ضد وجود الاحتلال ومكوناته الاستيطانية في الضفة وغزة والقدس، وعليه فإن سبب المقاومة وعملياتها بل وتصاعدها هو وجود الاحتلال وأعماله القمعية الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني، وأنه في حال توقف الاحتلال عن الاعتداءات اليومية فان النسبة الكبرى من عمليات المقاومة ستتراجع، فيما إذا أنهى احتلاله وفق المطلب الفلسطيني فإن العمليات ستنخفض إلى درجة دنيا لم يشهدها الاحتلال منذ الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987، وبذلك يكون المدخل الطبيعي لتحقيق الأمن هو وقف العدوان الإسرائيلي، وإنهاء الاحتلال حتى حدود 4 حزيران لعام 1967 على الأقل.

 أما ما تعنيه الوثيقة ضمنياً بتحقيق الهدوء والأمن للإسرائيليين في ظل الاحتلال والاستيطان، والاجتياحات، والاغتيالات، وهدم البيوت، وانتهاكات حقوق الإنسان الصارخة، وافتقاد الجانب الفلسطيني الأمن، فإن ذلك أمر غير متوقع التحقق، ومطلب لا يتمتع بأي نوع من العدالة أو العقلانية، بل هو مطلب نابع من عقليات الإرهاب والعصابات الصهيونية.

ويتوقع أن يكون انسحاب الاحتلال ووقف الاستيطان ووقف العدوان مطلبا أولياً للقوى الفلسطينية المقاومة في أي مفاوضات أو اتفاقات داخلية مع السلطة الفلسطينية، حتى يكون تحقيق الأمن متبادلاً على أقل تقدير، وقد أشارت نتائج حوارات القاهرة في فبراير الماضي (2003) بين الفصائل والسلطة الفلسطينية وبرعاية مصرية أن تحقيق هذه الرؤية أمر ممكن في حال استعد الجانب الإسرائيلي لتقديم هذا الاستحقاق، وأنه في حال تعثر الضغط على الجانب الإسرائيلي فان الجانب الفلسطيني لا يستطيع تقديم هذه الاستحقاقات دون أي ضمانات أو استحقاقات مقابلة من الجانب الآخر ليغامر بمستقبل الشعب الفلسطيني ويغامر بنسيج وحدته الوطنية، ومن ثم يغامر قادة السلطة بمستقبلهم السياسي والوطني.

وتشير الوثيقة بمراحلها الثلاث إلى عدة مسائل غير قياسية، بمعنى أنها تخضع للتقدير والتقويم غير القياسي، وغير المنضبط موضوعياً وحيادياً للحكم على التزام الأطراف بمطالبها وخاصة فيما يتعلق بالجانب الفلسطيني، حيث تؤكد الوثيقة أن إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في أي منطقة منوطة بمدى قدرة الجانب الفلسطيني على تحقيق الأمن والهدوء في تلك المنطقة من خلال القضاء على المنظمات والفصائل المقاومة، وهو ما يجعل جهود الجانب الفلسطيني على هذا الصعيد معرضة للتجريح من الجانب الإسرائيلي -كما في تجربة اتفاق أوسلو لأكثر من عشرة أعوام- حيث من المتوقع أن تكون توجهات اللجنة الرباعية الدولية متساوقة مع الرؤية الإسرائيلية التي يناط بها تحقيق مثل هذا الإجراء المقابل.

وتشكل فلسفة الإدارة الأمريكية اليمينية، وفلسفة الحكومة الإسرائيلية اليمينية، التي لا تعترف بالمقاييس الدولية بل بمزاجها ومصالحها وقناعاتها، عقبة في وجه تطبيق مثل هذا الاستحقاق الإسرائيلي، حيث أنها تميز بالكامل بين جهود 100%، ونتائج 100%.

 ففي حال قيام السلطة الفلسطينية بجهود 100%، وكانت النتائج أقل من 100% فسيعتبر ذلك -كما حصل سابقاً- ذريعة لمنع تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، ومن ثم عرقلة مراحل الخطة والخريطة إلى أزمان جديدة يؤمن الجانب الإسرائيلي والأمريكي أنها غير مقدسة؟ مما يجعل الحلم الفلسطيني يتأخر سنوات أخرى جديدة كما تأخر في أوسلو من ثلاثة أعوام إلى خمسة ثم إلى عشرة، وذلك ينسجم مع فلسفة أرئيل شارون تجاه عملية السلام القائمة على التوصل إلى اتفاقات مرحلية طويلة الأجل دون الوصول إلى منتهى.

وعلى صعيد قبول الأطراف وتطبيقها لمطالب الخريطة وتقديم الاستحقاقات، فقد قدم الجانب الفلسطيني فاتورته مقدماً وتحت الحساب، وذلك فيما يتعلق بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والأمنية الداخلية التي تدعو لها الوثيقة، حيث نفذ الجانب الفلسطيني منها أكثر من 80%، وهو ماض في تنفيذ الجزء الباقي لأنها في النهاية قد تحقق مصالح فلسطينية ذاتية برغم أنها وردت ضمن المطالب والضغوط الأمريكية، ولكن الجانب الإسرائيلي لم يقدم في مقابل ذلك سوى السماح لأعضاء المجلس التشريعي بالوصول إلى مكان الاجتماع لإقرار بعض التعديلات الدستورية، ولم يقم حتى بإجراءات حسن نية بإنهاء الحصارات على الشعب والمدن وعلى رئاسة السلطة الفلسطينية، أي أنه لم يبد حماسة مماثلة للحماسة الفلسطينية لتطبيق أي جزء من الخريطة يتعلق باستحقاقات واقعة عليها، وليس ذلك فحسب بل طالبت إسرائيل بإجراء تعديلات بلغت 14 تعديلاً رئيسياً على نصوص الخطة لتلغي أي مكسب فلسطيني، وتخفف الاستحقاقات الإسرائيلية ذات المعنى، ناهيك عن تمنعها عن التطبيق حتى يقوم الجانب الفلسطيني بحرب أهلية ضد فصائل المقاومة الفلسطينية، وبمقياسها يقضي على البنية التحتية لهذه القوى، وهو الأمر الذي عجزت عنه إبان احتلالها للضفة وغزة بالكامل، وعجزت عنه بعد اجتياحها للضفة، واستمرار اجتياحات يومية لغزة منذ فبراير 2002 وحتى اليوم، وتطالب إسرائيل مقابل الإقرار المبدئي بالخريطة وقبولها بورقة ضمانات أمريكية تحترم تحفظاتها في التطبيق والتفاوض اللاحق عبر مراحل الخريطة المختلفة، ولاسيما فيما يتعلق بالقدس وحق العودة، وهو ما أبدت الولايات المتحدة استعداداً له على لسان رئيسها ووزير خارجيتها عندما أعلنا صراحة أن أمريكا تتفهم مطالب إسرائيل.

أما فيما يتعلق بمآلات الخريطة ونهاية طريقها، فإنها تتحدث عن مسائل يشوبها الغموض ربما أكثر من اتفاق أوسلو والقرارات الدولية ذات الصلة، فإن فكرة دولتين كحل سياسي ليست جديدة، لكن فكرة الحدود المؤقتة وعدم النص على أي توصيف للحدود الدائمة إنما تدخل الفكرة كلها دائرة التفاوض المغلقة سابقاً بين الجانبين، حيث أنها مشروطة باتفاقهما عليها، لكنها، وفي نفس الوقت، تجزئ عملية تطبيع العلاقات مع الدول العربية لتقبض إسرائيل جزءاً منها ثمناً لأي خطوة صغيرة تقوم بها لتفتح المكاتب التجارية، ثم تطلب من جميع الدول العربية تطبيع العلاقات الكامل مع إسرائيل كجزء من الصفقة غير محددة المعالم والحدود، أما فيما يتعلق بمكونات الصراع وعوامله الأكثر تعقيداً، فإن الخطة تشير إلى حل واقعي لمشكلة اللاجئين لا يفهم إلا في سياق التوطين وليس العودة، والأخذ بعين الاعتبار الإجراءات التي تمت في القدس الشرقية بعد عدوان 1967، والتي أشرنا إلى أن جميع قرارات الأمم المتحدة تدينها وتعتبرها باطلة، أي تقاسم القدس الشرقية وفق الواقع الذي فرضته إسرائيل والذي يجعل فقط 4% من مساحة القدس الشرقية خاضعة للتفاوض، فيما يعتبر الجزء الباقي محسوماً للجانب الإسرائيلي بشكل أو بآخر، ومفاوضات كامب ديفيد التي فجرها الإسرائيليون بمطلب أن تكون لهم السيادة على ما تحت الحرم القدسي الشريف فيما يتمتع الفلسطينيون فقط بالسيادة على مساحة السطح، تشير إلى الشكل الذي يمكن التوصل إليه في مفاوضات ثنائية وبقاعدة ذهبية وضعتها الخريطة تحقق المطلب الإسرائيلي الأساسي ابتداءً، وأما فيما يتعلق بالاستيطان الذي تجعله إسرائيل مسألة معقدة وهو يتعلق بحوالي 320 ألف يهودي يمكن نقلهم إلى مكان داخل الكيان السياسي للدولة اليهودية بعملية استيعاب داخلية عادية، فإن الحل يكمن كما هو واضح بضم كتلها الرئيسة إلى الكيان السياسي الإسرائيلي فيما يجري التفاوض التفصيلي على الأجزاء الأخرى.

وبالعودة إلى الدراسة المتفحصة والمنهجية للخريطة، وما يمكن أن تفضي اليه، يتبين أن قيام الدولة الفلسطينية مقيد بتحقيق الأمن للإسرائيليين، وعبر عملية تفاوضية ثنائية تشجعها اللجنة الرباعية، وأن الخريطة تهدف أساساً إلى إيجاد وضع أمني مستقر للدولة اليهودية، مع إعادة تأهيل الجانب الفلسطيني مدنياً بما لا يمكنه من تفعيل أي انتفاضة شعبية، أو مقاومة مسلحة مستقبلاً، وأن يكون المسار الفلسطيني مدخلاً فاعلاً لفتح العالم العربي وتحقيق التطبيع الشامل مع الدولة العبرية لتصبح جزءاً مهماً في نسيج الشرق الأوسط حسب أحلام بيريز وزعاماته السابقين.

كما تشير طريقة التبني وطرحها للتنفيذ دون مناقشة، إلى حجم المأزق الذي تعاني منه كل من السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وفشل السياسة وآلة القمع الإسرائيلية في تحقيق الأمن والاستقرار في مجتمعها بسبب قوة أعمال المقاومة الفلسطينية وفاعليتها وتأييدها الشعبي العربي والدولي العارم حتى في أوروبا وأميركا،  وهو ما يجعل من خريطة الطريق في المحصلة أداة استراتيجية لخدمة السياسة الخارجية الأميركية، وحفظ أمن إسرائيل، وتطوير دورها في المنطقة على أنقاض الانتفاضة الفلسطينية وقواها المقاومة.

كما يؤكد الطابع الأمني الذي تضفيه الخريطة ومقدماتها على الدور الفلسطيني لتحقيق الأمن للإسرائيليين، بأنها تريد دولة فلسطينية وظيفية تقوم قوات الأمن فيها مكان قوات الأمن الإسرائيلي لحفظ أمن إسرائيل والمستوطنات.

وتفتح الخريطة العديد من الأسئلة أكثر مما تجيب على غيرها، فهي تطرح مفهوم أخذ حاجات كل طرف بعين الاعتبار والأمر الواقع في مسالة إنهاء الاحتلال، كما تطرح الحل الواقعي في مسالة اللاجئين الفلسطينيين دون أن تعرفه، كما تجعل من التطبيع للعلاقات العربية مع إسرائيل ثمرة مهمة وأساسية، بل ربما شرطية لاسـتمرار الرعاية لهذه الخريطة، كما أن مرجعية التفاوض الثنائي مبهمة وتثير الشكوك الكبـيرة على أن حسم نتائجها متروك لميزان القوى المائل لصالح الجانب الإسـرائيلي ولاسيما في ظل تغييب فصائل المقاومة حسب الخريطة.

 ويبقى السؤال الكبير عن مدى واقعية تطبيق الخريطة من جهة، وإمكانية تحقيقها لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف حسب الشرعية الدولية من جهة أخرى، والسؤال المنهجي عن التكتيك الذي قد تلجأ إليه السلطة الفلسطينية لتجنب سلبيات الخريطة والتمسك ببعض إيجابياتها، وهل يمكنها كسب تأييد الشارع بدون التنسيق مع فصائل المقاومة وإقناعها ببعض المسلكيات السياسية التي تساعد على قيام الطرف الآخر بتفجير الخريطة دون تحمل الجانب الفلسطيني مسئولية سياسية أو استحقاقات أمنية داخلية إزاء ذلك ؟؟

عودة