The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقال الإفتتاحي

العراق بعد عام من الاحتلال الواقع والمستقبل

رئيس التحرير - جواد الحمد


مر العام الأول على الاحتلال الأمريكي للعراق منذ التاسع من نيسان/ إبريل 2003، والعراق يرزح تحت نير عدم الاستقرار والفوضى الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما لم تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها الاستراتيجية المعلنة وغير المعلنة في آن واحد، كما تسبب هذا الاحتلال خلال عام بإحداث خلل كبير في التوازنات الإقليمية المختلفة لصالح زيادة قدرة الولايات المتحدة على اللعب على خلافات وتباين مصالح مختلف الأطراف في المنطقة.

وأسس الاحتلال مجلسا للحكم المحلي ليساعده في إدارة الشئون المحلية إبان الاحتلال ضم مختلف الأحزاب والقوى السياسية العراقية، وقد تم تشكيله وفق القواعد الإثنية والطائفية التي تشكل المجتمع العراقي، وبعد عام ونيف على الاحتلال في الثلاثين من حزيران/ يونيو 2004 تم تسليم السلطة المدنية وأجزاء من العمل الأمني الخاص بقمع المقاومة ضد الاحتلال إلى حكومة عراقية مؤقتة تم تشكيلها وفق قواعد تشكيل مجلس الحكم نفسها، باستثناء بعض التغييرات التكنوقراطية المتعلقة بإدارة شئون بعض الوزارات الخدمية وبإشراف الاحتلال المباشر.

وإزاء هذه التوجهات الجديدة في إدارة العراق، تباينت ردود الفعل الأولية العراقية إزاء السلطة السياسية والأمنية الجديدة، ومثل التحدي الخدمي وضبط الأمن مقياسا مهما لدى المواطن العراقي في الحكم على هذه الحكومة برغم تحفظ الكثيرين على تشكيلها وعلى علاقاتها بقوات الاحتلال. لكن المواجهات وأعمال العنف والمقاومة المختلطة في العراق داهمت الحكومة قبل تسلمها زمام الأمور، وبرغم دعمها بقرار خاص من الأمم المتحدة، غير أن التعاون معها بقي محدودا من معظم دول العالم بما في ذلك الدول العربية والإسلامية المجاورة بسبب افتقادها للشرعية السياسية العراقية.

وعلى صعيد آخر تمكنت الفئات المسلحة من إعاقة أعمال ما يسمى بإعادة الإعمار وإمداد القوات الأمريكية بالمعونات الغذائية عبر عمليات الخطف المختلفة، واضطرار عشرات الشركات إلى الانسحاب من العراق حفاظا على حياة موظفيها، فيما تمكنت هذه القوى من إحداث شرخ كبير في فلسفة التحالف الدولي في العراق إلى جانب الولايات المتحدة عندما اضطرت القوات الفلبينية إلى الانسحاب في استجابة مباشرة لمطالب الخاطفين لأحد مواطنيها، وبرغم أن عدد القوات الفلبينية لا يزيد عن خمسين جنديا، غير أن رمزية هذا الانسحاب بهذه الطريقة أقلقت الإدارة الأمريكية، وهددت بتزايد مثل هذه الاستجابات، ما دفعها إلى تحرك سياسي واسع للحفاظ على التحالفات المتبقية، ولا سيما بعد انسحاب القوات الإسبانية والهندوراسية، وبروز توجهات لدى دول أخرى لسحب قواتها، لكن الولايات المتحدة لم تتمكن من إقناع الدول العربية والإسلامية بإرسال قوات مسلحة برغم كل الضغوط والتهديدات والإغراءات التي تمارسها، ومبادرة البعض بمساعدتها لتوفير غطاء شرعي لمثل هذه التوجهات حتى صدور هذا العدد.

وفي الوقت نفسه استمرت أعمال المقاومة فيما يسمى بالمثلث السني بالتصاعد، وبشكل مكثف ومؤثر للغاية، وكان دخول قوات عراقية عسكرية مشكلة في معظمها من قوات البشمركة الكردية، وقوات بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية الحليفتان للاحتلال الأمريكي عاملا مثيرا للانتباه، غير أن هذه المشاركة لم تحد من عمليات فصائل المقاومة وإن كانت الضحايا قد تزايدت في صفوف القوات والشرطة العراقية التابعة للحكومة المؤقتة على حساب تراجع عدد الضحايا الأمريكيين، حيث تحاول الحكومة المؤقتة وقوات الاحتلال اتهام المقاومة بأعمال مخلة بالأمن، وضد العراقيين وليس ضد قوات الاحتلال، وعبثا حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها العراقيون إلقاء اللوم على قوى سياسية إسلامية غير عراقية ودول عربية مجاورة بتمويل المقاومة، لتثبت المقاومة عراقيتها على أوسع نطاق، ولم يقتنع لا الشارع العراقي ولا الشارع العربي بهذه الادعاءات، واعتبر لجوء قوات الاحتلال إلى إثارة أعمال تخريبية موجهة ضد المدنيين العراقيين محاولة لخلط الأوراق وتخفيف الدعم الذي تلقاه المقاومة من الشعب العراقي، لكن الاتجاه كان عكسيا بتفاقم ظاهرة مقاومة الاحتلال من جانب قوات جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر الذي يتحدى قرار المرجعيات الشيعية العليا القاضي بعدم استعمال السلاح ضد الاحتلال، في رهان غير مسبوق على الاحتلال لمنحهم ما يسمى بالحق التاريخي في الحكم بالعراق، ومثَّل تزايد المواجهات في مدينة النجف المقدسة لدى الطائفة الشيعية التي تحظى بنصيب الأسد في الحكومة المؤقتة نقطة تفجير مهمة في وجه الاحتلال والحكومة المؤقتة على حد سواء.

وعلى صعيد آخر ما زالت الخدمات الأولية المتعلقة بالكهرباء والمياه والمواصلات والأعمال البنكية والتجارية وتوفير المواد الغذائية والوظائف تحديات عالقة أمام الحكومة المؤقتة التي يفترض أن ترحل نهاية العام عبر انتخابات عامة حسب قرار مجلس الأمن الدولي، ويبدو أن الهم الأمني والمواجهات مع المقاومة بديلا عن قوات الاحتلال قد شغلت الحكومة عن الأعمال المدنية التي كانت السبيل الأهم لتحقيق نوع من الشرعية للحكومة الحالية لدى عامة المواطنين، فيما كان إسهامها الواسع في العمليات الأمنية ضد المقاومة والقوى السياسية العراقية المناهضة للاحتلال سببا لاتساع دائرة الشك وعدم الثقة فيها.

وعلى الصعيد الدولي لا يزال المجتمع الدولي مترددا في دعم التوجهات الأمريكية في العراق برغم صدور قرار مجلس الأمن بإعطاء الحكومة المؤقتة الشرعية فيما سمي بتسليم السلطة، ولا سيما فيما يتعلق بإرسال قوات مسلحة إلى العراق، كما لا تزال إشكالية دول الجوار العراقي المتفاقمة بين اتهام إيران بالتدخل في الشئون العراقية، وسوريا بدعم المقاومة، إضافة إلى توتر الموقف التركي إزاء التوجهات الكردية في شمال العراق، تمثل تحديات صامدة في وجه البرنامج الأمريكي من جهة، والحكومة العراقية المؤقتة من جهة أخرى.

وبذلك يمكن إجمال المشهد العراقي بعد عام على الاحتلال بعدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، وتزايد أعمال العنف المسلحة المختلطة الأهداف والغايات بين المقاومة ضد الاحتلال ومنع الحكومة المؤقتة من تحقيق الاستقرار، وتزايد الشروخ في التحالف الدولي الداعم للاحتلال الأمريكي، وفشل الولايات المتحدة بإيجاد محضن إقليمي داعم لبرنامجها وللحكومة التي شكلتها في العراق، فيما تزايدت شكوك المواطنين العراقيين بنوايا الولايات المتحدة في ظل تشكيل الحكومة المؤقتة وعدم قدرتها على تحقيق الإشباع لحاجاتهم اليومية التي يعتقد هؤلاء الموطنون أنها مقصودة من جانب قوات الاحتلال، ولا سيما فيما يتعلق بالكهرباء والماء، هذا ناهيك عن تزايد التدخل الأمريكي بالشئون الاجتماعية والتعليمية العراقية، وتشجيعهم للانفلات الخلقي والاجتماعي، إضافة إلى الفضائح التي كشفت حول ممارسات قوات الاحتلال ضد المعتقلين العراقيين في السجون المختلفة ولا سيما سجن أبو غريب المشهور، والتي وصلت إلى حد قتل آدمية المعتقلين وإهانة دينهم وأعراضهم، فيما اعْتُبِر جزءا من "الحرب الصليبية" التي أعلنها الرئيس جورج بوش فيما سمي بفلتة لسان أو تعبير غير مقصود في حينه!

وفيما يتعلق بالمستقبل فثمة سيناريوهات يتم تداولها على مخلتف الصعد تتلخص أهمها فيما يلي:

1.     نجاح الحكومة المؤقتة مع قوات الاحتلال بتصفية مجموعات المقاومة المسلحة في مختلف أنحاء العراق، وهو ما يعتقد البعض أنه أمر طويل المدى إن كتب له النجاح أصلا.

2.     نجاح الحكومة المؤقتة بإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة ما سيخرج العراق من أزمته السياسية الداخلية، لكن بقاء القوات الأمريكية فيها سيكون عاملا معيقا، حيث قد يحوِّل ذلك مثل هذه الحكومة إلى حليف غير مباشر للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال، الأمر الذي قد يوحد الجهود العراقية السياسية والعسكرية لإنهاء الاحتلال الأمريكي.

3.     تغير سياسات الإدارة الأمريكية بسحب قواتها كما حصل في الصومال بعد عام من الفشل في تحقيق الاستقرار، وهو ما تفرضه طبيعة الأشياء ومجريات الواقع العراقي، غير أن تحليل الأهداف الأمريكية وسياسات الإدارة الحالية ومقترحات الإدارة البديلة للديمقراطيين في حال نجاحها ازاء المسألة العراقية تشير الى ان الامر لن يكون مثل الصومال اي بقرار سياسي ذاتي، بل بسبب الضغوط الدولية والإقليمية والعراقية في آن واحد، وهو ما يتشابك مع السيناريو الثاني.

4.     نجاح المقاومة العراقية بإيقاع الخسائر الفادحة في صفوف قوات الاحتلال وإجبارها على التفاوض للرحيل تدريجيا وفق برنامج زمني، مع تحقيق بعض الاتفاقات المتعلقة بالمصالح المتبادلة، بما في ذلك مسألة النفط.

5.     تطور مواقف دول الجوار العربي والإسلامي لتنفك عن البرنامج الأمريكي لصالح التحالف مع القوى الحرة والمستقلة في العراق، بما فيها القوى السياسية التي تملك أجنحة عسكرية مقاومة للاحتلال، ومن ثم التشجيع على بناء حكومة عراقية مستقلة ذات مشروعية انتخابية نزيهة، وهو ما يعيد العراق إلى المحضن العربي بكل جوانبه، ويدعم بناء عراق مستقل حديث ديمقراطي.

وتشير مختلف هذه السيناريوهات إلى عدم نضوج أي منها بعد عام على الاحتلال، لكن السيناريوهين الأخيرين يمثلان خيارا عراقيا إقليميا أكثر ترجيحا للنجاح على المدى القريب حال توافر الجدية والإرادة السياسية المستقلة، كما يمثل السيناريو الأول تغيرا كبيرا في موازين القوى الإقليمية الأمر الذي قد يُؤثر في تغيير البنية الجيوبولوتيكية في المنطقة، وهو خيار عراقي مستقل لكنه بحاجة إلى دعم ومحضن إقليمي شعبي في حده الأدنى.

وأما السيناريوهات الأخرى فهي مرهونة بالمحصلة بإرادة الإدارة الأمريكية التي لا يتوقع لها المبادرة إلى تقديم حل واقعي عملي للعراق الحر، حيث تبدو أسيرة لغاياتها وأهدافها الذاتية المتعلقة بالنفط وغيره، وهو ما يجعل الدور العربي الشعبي والرسمي، إضافة إلى دور كل من إيران وتركيا دورا حاسما في الضغط على الإدارة الأميريكية لتغيير سياساتها والتوجه نحو تعريب العراق، وليس تدويله وإخراجه من انتمائه العربي، وفي الوقت نفسه إعانة أبنائه على التلاقي والتخطيط لمستقبل عراقي واعد بدلا من إدخاله في حلقة العنف الداخلي لمصلحة الاحتلال والقوى المعادية المتحالفة معه.

 ولعل الأشهر القادمة ترجح اتجاهات بعض هذه السيناريوهات على اتجاهات بعضها الآخر.

عودة