The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقال الإفتتاحي

آفاق تطور العلاقات العربية-الاميركية سراب أم واقعية؟؟

رئيس التحرير - جواد الحمد


اعتبرت الكثير من الأوساط السياسية في المنطقة التوجهات الأمريكية الجديدة في التعامل مع الشرق الأوسط، وفق برامج التدخل العسكري والاستخدام المفرط للقوة في العراق وفرض الإصلاح من الخارج والانحياز الكامل لإسرائيل، بوصفها برامج مخالفة لقواعد الديمقراطية التي تروج لها الإدارة  الأمريكية الحالية في العالم، وأنها تُقرأ في المنطقة كمعوق لتطوير العلاقات الأميركية-العربية على أسس حضارية وإنسانية ومصلحية صحيحة.

وقد حاولت الولايات المتحدة تقديم برامجها آنفة الذكر كعوامل مساعدة على حل مشاكل العرب السياسية والاقتصادية، فتارة تقدم نفسها مخلصا من الحكم الدكتاتوري، وتارة تقدم نفسها راعيا لعملية السلام لحقن الدماء، وتارة تقدم نفسها كرائد في التقدم العلمي والتكنولوجي يعرض خبراته للعالم العربي لنقله حضاريا، وتارة تقف موقف المعلم والموجه للأمة العربية في الفكر والثقافة والتربية الاجتماعية بحجة أنها زعيمة العالم وقائد العالم المتمدن، وبذلت من أجل ذلك جهودا دبلوماسية وإعلامية مختلفة، غير أن الصورة التي لا تزال تصل إلى الشعوب العربية غير مريحة لمستقبل العلاقات العربية- الأمريكية الصحية.

كان الانحياز الأميركي لإسرائيل وعلى الأخص الاستخدام المفرط لحق النقض الفيتو في مجلس الأمن الدولي أمام أي قرار ربما يدين ممارسات إسرائيلية تخضع في دائرة المدان وفق المفاهيم والسياسات  الأمريكية ذاتها عندما يتعلق الأمر بأي بلد في العالم، وحتى عندما ترتكب إسرائيل المجازر الوحشية أمام كاميرات التلفزة العالمية يلحظ ذات التعامل الأميركي غير الحضاري مع هذه الممارسات، كانت تلك هي الصورة النمطية التي كرستها الإدارة  الأمريكية عن نفسها في المنطقة.

 وما أن اجتاحت القوات الأمريكية العراق في فبراير 2003 بحجة احتواء خطر أسلحة الدمار العراقية المزعومة حتى تكشف للعالم العربي صورة أكثر بشاعة للولايات المتحدة، رسمتها هذه المرة أيدي العسكريين وغلاة التطرف المسيحي المتصهين الذين أمسكوا بتلابيب القرار السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي في آن واحد بالولايات المتحدة بعد نجاح الرئيس جورج بوش الابن في الوصول إلى البيت الأبيض منذ العام 2001.

 فقد تعاملت القوات الأمريكية المحتلة والغازية مع الشعب العراقي دون أي مقاييس حضارية أو إنسانية، سواء تعلق الأمر بقصف السيارات العائلية دون إنذار وقتل العائلة كاملة، أو مهاجمة حفل زفاف لتحويله إلى مأتم كبير، أو هدم البيوت أو قصف الطائرات العشوائي للاحياء المدنية في مختلف انحاء العراق، أو ممارسة أبشع أنواع التعذيب في السجون التي زجت فيها آلاف العراقيين دون تهم أو محاكمات حتى عسكرية، مما أظهرها بالدولة الدكتاتورية والخارجة على القانون الدولي بالاجتياح وإسقاط النظام، ثم الاستباحة للحرمات الإنسانية، ثم الاعتماد الكبير على العنف والقوة المسلحة لتطويع الشعب العراقي تحت إدارة الاحتلال أو الحكومة المعينة من قبله لاحقا، وهو ما جعل تبشيرها بالحرية والديمقراطية وتخليص العرب من الحكم الدكتاتوري مجرد مزحة ثقيلة الوزن، وشعار لا أساس له من الواقع، حيث ممارسة كبت الحريات والاغتيال والتخريب والملاحقة والاعتقال بسبب المعارضة لوجود قوات الاحتلال حتى لو لم يستخدم البعض أي وسيلة من وسائل العنف ضد القوات الأميركية، وإن ما جرى في الفلوجة وسامراء والرمادي والنجف وأحياء عديدة في بغداد وسجن "أبوغريب" هو مجرد صور متعددة لما تقوم به هذه القوات في كل أنحاء العراق.

وقد تمكن العقل العربي من جمع صورتين كل منهما أبشع من الأخرى، الصورة الإسرائيلية التي تمارس الإرهاب برعاية ودعم أمريكي وبالسلاح الأميركي، والصورة الأمريكية التي تمارس ذات الوسائل في العراق مستفيدة من خبرات الإرهاب والوحشية الصهيونية بالخبراء أو بتدريب العناصر أو بالاطلاع على التجارب التي مورست في مجزرة جنين ونابلس وجباليا ورفح وخان يونس وبيت لاهيا وبيت حانون وغيرها، وهو يحمًل الإدارة الأمريكية المسئولية الكاملة عن الصورتين معا، ما شكل عائقا نفسيا وحاجزا أمام بناء علاقات إنسانية صحيحة بين الشعب العربي والشعب الأمريكي من جهة، وبين الإدارة الأمريكية والحكومات العربية من جهة أخرى، حيث صعوبة التعامل إلا وفق الإدارة الأمريكية وتوجهاتها.

في ظل هذه الأجواء شرعت الولايات المتحدة باعتماد وتطبيق مشروعها للشرق الأوسط الكبير بعنوان الإصلاح والديمقراطية، والذي تمكنت من حشد الدول الصناعية الثمانية خلفه في يونيو 2004 الماضي، وعقد المؤتمر الأول لمنتدى المستقبل المنبثق عنه في المغرب في ديسمبر 2004 أيضا لتكريس ذات النهج، لكن الصيحات العربية الشعبية والرسمية الرافضة لفرض الأجندات الخارجية ارتفعت وتعالت، وشرعت الولايات المتحدة بعقد صفقات مع عدد من الحكومات غير الديمقراطية في المنطقة، على قاعدة الابتزاز بالموقف السياسي والأمني والاقتصادي لصالح التوجهات والمصالح الأميركية، في مقابل السكوت على توجهات هذه الحكومات غير الديمقراطية، بل إن بعض هذه الحكومات تراجع أداؤها الديمقراطي، وبدأ يستخدم العنف ويطبق القانون بتعسف، ويشرع من القوانين ما يحد من الحريات بحجة محاربة الإرهاب على الصعيد الإعلامي والأمني والاقتصادي والسياسي، وأحيانا بطلب رسمي من الولايات المتحدة ذاتها، مقلدا سيد النظام الدولي الجديد في ذلك، وتبدي الولايات المتحدة التأييد لهذه الحكومات والتوجهات بغض النظر عن حجم التراجع في الحريات السياسية العامة، فيما ركزت على نقد  الجانب الاجتماعي المتعلق بتغريب المجتمعات وتبنيها للسلوك الاجتماعي الغربي بوصفه المدخل إلى الحرية وحقوق الإنسان.

وعليه فإن العلاقات الأميركية-العربية بشقيها الرسمي والشعبي تعاني من اختناق كبير لم تمر به من قبل، وعنوانه الأساسي الدعم المطلق لإسرائيل واحتلال العراق وقهر شعبه، وفرض التوجهات والأيديولوجيا الأمريكية على المجتمعات العربية، فيما تبدي الاستعداد لدعم وتبني من يدخل بيت الطاعة هذا ليصطف معها لمواجهة قوى النهضة العربية وقوى المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي في العراق والإسرائيلي في فلسطين على حد سواء.

إن المصلحة في تحسين هذه العلاقات تتعلق بمستقبل علاقات الأجيال القادمة من الحكام والمفكرين والقادة الاجتماعيين والسياسيين لدى الطرفين، فالتداخل الاقتصادي والحاجة إلى التكنولوجيا والتعليم والإصلاح الإداري والمالي، والسعي وراء الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية وحرية الاختيار والتعبير عن الفكر والاتجاه السياسي هي من أبرز حاجات الوطن العربي برمته، وتملك الولايات المتحدة الكثير من هذا لتقدمه للعالم العربي الذي كان ينظر إلى أمريكا كمصدر مهم وأساسي لإمداده بذلك كله، كما أن الولايات المتحدة أصبحت تعتمد اعتمادا كبيرا على النفط العربي بوصفه عصب الصناعة والتجارة الأمريكية ومصدر سيطرتها على حلفائها في الغرب والشرق (أوروبا واليابان)، وعلى منافسيها وخصومها في الشرق (الصين وروسيا)، وعلى البحار والأجواء العربية لتحقيق انفتاحها وتواصلها مع العالم الآخر، وفرض سيطرتها الدولية عليه في كل من آسيا وربما أفريقيا، كما أنها بحاجة ماسة لكثير من الطاقات العربية من الأطباء ومبرمجي الكمبيوتر والمهندسين.

ولذلك فإن من مصلحة الطرفين إعادة بناء هذه العلاقة على أسس جديدة تتعامل مع الواقع وتطمح نحو المستقبل باحترام متبادل واعتبار للمصالح كذلك متبادل، وإذا كانت مسألة إسرائيل تقف عائقا قديما في وجه تنامي هذه العلاقات في بعض المجالات وخاصة العسكرية منها بسبب ضغوط اللوبي الصهيوني على الإدارات الأميركية، فقد دخل الصراع في المنطقة والفشل الأميركي في فرض النموذج الخاص بها على المنطقة مرحلة متقدمة، والفرصة اليوم لا تزال مواتية لتصحيح شامل ومتكامل لهذه العلاقة ليس عبر الاختراق والتهديد والعقوبات والتدخل في الشئون الداخلية بقوة السلاح وعبر الأمم المتحدة على حد سواء، إنما عبر الحوار والانفتاح وإغماد سيف القوة والغطرسة والتصنيفات التعسفية المتطرفة للدول والمنظمات والأحزاب والأفراد بمختلف أشكالها، وبإتاحة المجال للعقلاء ليرسموا خطوط وملامح هذه العلاقة المستقبلية التي يتمناها الطرفان لأجيالهم القادمة.

 خاصة وأن نظرية علاقات السراب بين الطرفين قد انتشرت في المنطقة بسبب ما أشرنا إليه من ممارسات أميركية غير مقبولة بمقاييس الدبلوماسية والقانونية والإنسانية والحضارية والحرية والديمقراطية، فيما لا بد من الشروع ببناء وحماية نظرية واقعية العلاقات وأهميتها وإمكان بنائها على قواعد إيجابية قد لا تخلو من بعض الخلاف هنا وهناك كما حصل في مفاصل سابقة، لكن الإطار العام والمحددات الأساسية يمكن لها أن تحتوي أو تحل مثل هذه الخلافات والأزمات دون أن تحولها إلى علاقات حرب أو مواجهة أو قطيعة أو عقوبات متبادلة، فهل تتيقظ بعض الأوساط الواعية في الإدارة الأمريكية والولايات المتحدة لمعنى ودلالات هذه الرسالة العربية المعبرة عن الواقع والطموح لتبادر نحو بناء علاقات جديدة واقعية لمصلحة الأجيال القادمة؟

عودة