The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقالات والتقارير

تطورات استراتيجية تحدد مستقبل المنطقة

رئيس التحرير - جواد الحمد


شهدت المنطقة العربية الساخنة في مواجهة إسرائيل تطورات استراتيجية شكلت إطاراً ناظماً لملامح المنطقة في المرحلة القادمة، حيث هزَّ الزلزال السياسي لبنان كما هزَّ علاقاتها بسوريا، وكذلك هز وضع سوريا الإقليمي. وأسست القوى الفلسطينية سياسياً وتنظيمياً لنظام سياسي فلسطيني جديد بتوصلها لإعلان القاهرة. وشرع الأردن في تشكيل حكومة تقوم على برنامج الإصلاح والتحديث لرسم معالم أردن المستقبل خلال السنوات الخمس القادمة.

فلم يكن يتخيل أحد أن اغتيال الزعيم اللبناني رفيق الحريري سوف يكون رافعة لتحولات لبنانية وإقليمية ودولية تجاه الشرق الأوسط بهذا الحجم على الصعيد اللبناني. وقد قادت الاحتجاجات والغضب قوى مختلفة، منها قوى كانت سبباً لوجود القوات السورية، وكانت حليفة لها، ولم تطالب يوماً بخروجها، رغم نص اتفاقية الطائف على ذلك.

ولم تكن العلاقة اللبنانية – السورية عبر التاريخ إلا تكاملية ووحدوية، ولم يكن التدخل السوري في لبنان عام 1976 إلا استجابة لطلب المجتمع الدولي وعلى رأسه أمريكا لحماية التوازن الطائفي القائم حينها في لبنان، ولمنع القوى المناهضة لأمريكا وإسرائيل من السيطرة على الساحة اللبنانية.

من حق اللبنانيين بمختلف المقاييس السيادية منها والديمقراطية أن يتخلصوا من أي وجود عسكري أو أمني غير لبناني على أرضهم. وقد استجابت سوريا للضغوط اللبنانية وأنهت وجودها الأمني والعسكري في لبنان.

وبهذا التحول في لبنان دخلت الجماهير العربية عصر التغيير والإصلاح، كما واجهت الأنظمة العربية لحظة الحقيقة أمام مطالب الجماهير، مثقلة بأعبائها التاريخية القديمة.

من جهة أخرى، على الصعيد الفلسطيني فقد شكل إعلان القاهرة الفلسطيني في 17 آذار/مارس 2005 نقلة نوعية في العمل الفلسطيني، على الصعيدين الداخلي والخارجي، وبجوانبه المختلفة، وقد عزى المراقبون والمحللون هذا النجاح إلى القدرة الديناميكية التي ولدتها الانتفاضة الثانية في بناء الرؤية والمستقبل الفلسطيني بشكل أكثر واقعية وعملية  ووحدوية من ذي قبل .

وقد مثل إعلان القاهرة المذكور تتويجاً لهذه التحولات والديناميكيات الفلسطينية ومحيطها العربي بل والبيئة الدولية، التي فشلت في فرض أي حل سياسي على الشعب الفلسطيني.

وقد أعادت هذه الالتزامات الجماعية القوة للموقف الفلسطيني، وبتأكيد الإعلان في بنده الأول على هذه الأسس للبرنامج السياسي الفلسطيني المشترك يكون الجدل حول برنامج الحد الأدنى السياسي قد حسم لصالح قوى المقاومة الرئيسية، وهو الجدل الذي ساد الحوارات الفلسطينية على مدى ثلاث سنوات ونصف خلت (2002-2005).

وتشير القراءة السياسية للمتغيرات التي أفرزها إعلان القاهرة إلى أن المنطقة أمام فرصة لبناء نظام سياسي فلسطيني جديد، ببرنامج سياسي متماسك وموحد، وهيكل تنظيمي ديمقراطي فاعل، يعيد القوة للموقف وللقرار الفلسطيني.

وفي ضوء ذلك فإن القضية الفلسطينية والبنية الداخلية الفلسطينية السياسية والتنظيمية، وبالتالي طبيعة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، والعلاقات الفلسطينية العربية، والعلاقات العربية العربية، والنظام الدولي، وعلاقة السلطة الفلسطينية مع الحركة الإسلامية الفلسطينية، تشهد تطورا استراتيجيا يعتقد أنه سيسهم في تشكيل بنية استراتيجية جديدة في المنطقة، لها مقوماتها ومعاملات تأثيرها المستقبلية على واقع المنطقة وطبيعة الصراع فيها.

وعلى الصعيد الأردني فإن التجربة الأولى للحكومة الأردنية الجديدة سوف تكشف قدرة الحكومة، وتركيبتها على التعامل مع التحديات والمتغيرات والإصلاحات في آن واحد.

التحول الأردني هو جزء أساسي ومهم من التحول العربي في المنطقة، ويؤثر تأثيرا مباشرا على البنى الداخلية للجوار العربي، وكذلك على قضايا الأمة الكبرى ودورها الدولي في العالم الجديد، وهو ما يجعل تشكيل الحكومة الجديدة مؤهلا ليكون تحولا استراتيجيا محليا وإقليميا.   

إن هذه التحولات تشكل فرصة للقوى المتنفذة والنخب الحاكمة في السياسة العربية كي تبادر بالتجاوب مع متطلبات الإصلاح الوطني الشامل ، لتكون جزءا من عملية التغيير، لا أن تكون كبش فداء لها.

ويعد التحرك الواسع العربي في هذا المضمار -ليعضد بعضه بعضاً- متطلبا مهما لأمة تتأهل لخوض سباق الحضارات، حوارا، وتفاعلا، وتبادلا، وتكاملا.

إن الإمكانية للتغيير واسعة، والفرص والإمكانات كبيرة وواعدة، والتقدم نحو الأمام في الحضارة والاقتصاد والتعليم والتقانة ومنافسة الأمم وبناء المجتمع الصالح والحكم الراشد والعادل يمكن أن يكون في متناول اليد، وبأقل التكاليف، وذلك في حال أدركت قوى الحكم وقوى التغيير أن مصلحتها الحقيقية في التكامل لا الصراع، ولكن على قاعدة الإصلاح والتغيير الديمقراطي والاقتصادي والإداري والهيكلي الشامل، بعيدا عن نظريات الإقصاء والاستفراد.

عودة