The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقالات والتقارير

(كتاب بالعبرية) "مثلنا مثل سدوم… في المنزلق من دولة القانون إلى جمهورية موز!!"

عبد الحميد الكيالي


صدر قبل فترة وجيزة في إسرائيل كتاب للخبير القانوني موشيه هنغبي عنوانه "مثلنا مثل سدوم: في المنزلق من دولة قانون إلى جمهورية موز"، يعرض فيه الكاتب ما يعتبر أنه "فشل ذريع لمنظومة أجهزة سيادة القانون (الإسرائيلية) في حماية الديمقراطية من الذين يحاولون تدميرها وتقويضها من الداخل"، في إشارة صريحة إلى من يقف خلف ظواهر الفساد والإجرام.

والنتيجة التي يخلص إليها مؤداها أنه "لا نهضة ترجّى لدولة تخاف سلطاتها من أعداء القانون والديمقراطية، بدل أن يكون سلوكها نقيض ذلك جملة وتفصيلاً".

ولعله من المناسب، قبل العرض المفصّل أن نستعيد ما جاء في تظهير هذا الكتاب، الذي يمكن اعتباره غير مسبوق في "المكتبة الإسرائيلية":

          "عصابات الإجرام المنظّم تزرع العنف في شوارع إسرائيل. وأذرعها تتغلغل في سلطات النظام الحاكم وتهدّد بالمسّ بالديمقراطية من الداخل. قتلة، مغتصبون، أزواج عنيفون وتجار نساء يتجولون  بيننا طلقاء بسبب تساهل المحاكم. أماكن لوائح المرشحين للكنيست تُباع في وضح النهار عدّاً ونقداً أو بما يوازي النقود، والساسة الذين يشترونها هم الذين يشّرعون قوانيننا. مواطنون عاديون يذوقون مرّ العذاب في غياهب السجون والمعتقلات دونما ذنب اقترفوه، بينما يواصل مسؤولون كبار، استغلوا مناصبهم لتحسين وضعيتهم ووضعية المقربين منهم، لهاثهم نحو القمة دون حسيب أو رقيب. القضاء العسكري يمنح حصانة للقادة الذين أهدروا بإهمالهم الإجرامي حياة جنودهم، أو استغلوا جنسياً مجنداتهم، وأيضاً للذين ينكلون بالفلسطينيين. الإعلام الباحث عن الحقيقة يفقد أنيابه ويأخذ مكانه إعلام امتثالي وفاسق.  وأفظع من كل هذا أن سلطات القانون مشلولة تماماً حيال التحريض والعنف الديني– القومي، اللذين سبق لهما أن أدّيا هنا إلى اغتيال رئيس للوزراء".

وفيما يلي عرض مفصل لمحتويات الكتاب الذي يقع في 273 صفحة، ويتوزع على ثمانية فصول يركز فيها الكاتب على العديد من حالات الفساد في إسرائيل كما اتضح أعلاه.

في الفصل الأول (ص ص: 13-29) يعرض الكاتب لحالات الفساد في إسرائيل بحادثة حققت فيها "الوحدة القطرية للتحقيق والفساد" عام 2002 مع القاضي في المحكمة العليا (تسيفي طال) على خلفية استغلاله لصلاحياته الحكومية باعتباره رئيساً "للجنة التركات" لتحويل أموال حكومية إلى جهات ومؤسسات كان هو أو زوجته أو مستشاره أعضاءً فيها. ويُوضح الكاتب كيف تمّ إغلاق ملف القضية دون اتخاذ إجراءات جزائية ضد القاضي، بعد قبول ذريعة أن تحويل النقود كان هدفه "تحقيق أهداف إيديولجية وقومية".

ثم يسوق الكاتب حالات مماثلة من الماضي أبرزها قضية تتعلق برابين عام 1977. ويقارن هنغبي بين هذه الحالات وموقف القضاء الإسرائيلي من قضايا أثيرت ضد بنيامين نتنياهو وزوجته، وضد شارون وابنيه، ثم قضية درعي، ويتساءل: هل يمكن الاستنتاج من ملابسات هذه القضايا وكيف تمت إدارتها أن هناك جريمة منظمة في إسرائيل؟

ويقتبس هنغبي رأي البرفسور (مناحيم أمير)، الحائز على جائزة إسرائيل التقديرية في علم الإجرام، والباحث العالمي في حقل الجريمة المنظمة، عندما وصف عالم الرشاوى في إسرائيل بأنه مافيا. ومن ثم يقتبس في نهاية الفصل عدداً من أقوال شخصيات وصحفيين إسرائيليين يذهبون إلى أن إسرائيل في طريقها إلى الهاوية بسبب غياب سلطة القانون وضعفها أمام السلطات الحاكمة ذات النفوذ.

ويفتتح الكاتب الفصل الثاني (ص ص: 30-44) باقتباس لإحدى عضوات الكنيست سابقاً (نحاما رونين) تصف فيه سلوك حزب السلطة في إسرائيل: "هذا عالم سفلي، إذا لم تلعب وفق القواعد السائدة فيه، فليس لديك أدنى فرصة".

ثم ينتقل للحديث عن التجاوزات والرشاوى التي تورّط بها حزب الليكود في انتخابات عام 2003 للحصول على الأصوات، ومن ثم حصْد المقاعد في الكنيست. ويمضي للحديث عن شهادات أعضاء كنيست آخرين، وحتى وزراء تم ابتزازهم للحصول على مقاعد، أو الضغط عليهم لتخفيف عقوبة أو إطلاق سراح مُدانين جنائيين في السجون، أو للضغط على مسؤولي التعليم لتحصيل امتيازات أكاديمية لأقربائهم في الجامعات. ويُعطي مثالاً على ذلك ما حصل مع وزير الاتصالات في ذلك الحين (رؤوبين ريبلين) ورئيس الكنيست الحالي، الذي تلقى توصية بتعيين أو إقالة موظفين في سلطة البريد وفقاً لانتماءاتهم الحزبية، وعزى فشله في الانتخابات الداخلية للحزب إلى أنه لم ينفذ المطلوب منه على أكمل وجه. ثم يورد شهادات كثيرة اقتبسها من الصحافة الاسرائيلية تبرهن على استغلال شخصيات بارزة أو تهديدها أو مساومتها من أجل منحها مقاعد في انتخابات الحزب الداخلية.

وفي هذا السياق كان اقتباس أقوال دان مريدور: "هناك ظواهر تنتشر طولاً وعرضاً تبعث على القلق، وربّما تكون جنائية.. عندما فكرت في فرصي في الفوز بمقعد في الانتخابات الداخلية [لحزب الليكود] كان لديّ شعور بأن هناك أموراً صعبةً قد حدثت. كان الجوّ كلّه وفق قاعدة أعطِ وخذ، ووفق ما تعطي تأخذ!".

ثم يناقش الكاتب الأبعاد السلبية التي تؤثر على مؤسسة الحكم برمتها عندما يتحكم هؤلاء (أصحاب النفوذ) السيئين في تعيين القضاة ومراقب الدولة ووزراء العدل والمؤسسات القانونية والتشريعية في الدولة!

ويتساءل المؤلف في نهاية الفصل حول ما يمكن أن يردع أو يمنع هؤلاء من تكرار أفعالهم في المستقبل طالما أن الرشاوى والفساد قد حقق لهم النصر دون أن يتعرضوا لأية مساءلة قانونية!

يناقش الكاتب في بداية الفصل الثالث (ص ص: 45-87) أن أحداث الفساد السابقة ووقائعها تضر بطهارة المعايير الاجتماعية، وعليه فإنها تمس قيم المساواة وفقاً لما يحدده القانون، ويؤكد أن عدم محاسبة المخطئ لأنه من ذوي النفوذ، مقابل تطبيق القانون على أشخاص آخرين ليسوا من ذوي النفوذ، يعدّ انتهاكاً للحقوق، وفيه بعد عن المساواة.

ويورد مثالا على ذلك قضية التحقيق مع رئيس الدولة (عيزر فايتسمان) عندما قرر المستشار القضائي للحكومة بأن فايتسمان (كعضو كنيست، وكوزير، وكرئيس للدولة)  "لم يكن يعرف" بأن النقود التي حولها معارفه الأثرياء من أصحاب المليارات لحسابه الخاص كانت فقط بسب مكانته.

ويتساءل المؤلف: ماذا لو حصل أمر مشابه مع موظف بسيط في الجمارك أو في مؤسسة ضريبة الدخل؟! ثم يتحدث في نهاية الفصل عن الأسباب النفسية والعملية والنظرية لوجود مثل هذه الظاهرة في المجتمع الإسرائيلي.

          ويناقش الكاتب في الفصل الرابع (ص ص: 88-115) أهمية دور الصحافة في فضح أو إخفاء فساد القمة وذوي النفوذ وتحقيق العدالة. ويعطي مثالاً على ذلك قضية أرييه درعي؛ إذ لولا جهود الصحافي والباحث مردخاي غيلات من صحيفة (يديعوت أحرنوت) لما خضع درعي للعقاب المناسب.

          ويركز المؤلف في هذا الفصل على قضية غياب "المحذِرين" خشية تعرضهم لأذى المسؤولين وكيف أن من يتصدى لكشف خلل ما يُتهم بالخيانة أو الوشاية في بعدها السلبي. ويورد هنغبي مثالاً على ذلك عضو الكنيست السابق (حجاي ميروم) الذي حذر من وجود خلل داخل حزب العمل بزعامة رئيس الوزراء أنذاك إيهود براك. إلا أنه عندما تم كشف علاقته بإبلاغ مراقب الدولة عن تلك التجاوزات اتُهم بالخيانة داخل حزبه، ولم يلقَ أي استحسان في نظر الجمهور والمسؤولين في حزب العمل لكشفه فساداً سياسياً، وتعرض بدل ذلك للإهانة والعداء.

          ينتقد مؤلف الكتاب في الفصل الخامس (ص ص: 116-160) قضاة المحاكم في إسرائيل الذين تأخذهم الرحمة في إصدار أحكامهم على المجرمين والمذنبين. ويقتبس أقوال رؤساء محاكم سابقين تعزز وجود مثل هذا التوجه الذي يؤثر على حق احترام الضحية تحديداً وحماية المجتمع عموماً. ويركز المؤلف على آراء القاضي السابق للمحكمة العليا (مئير شمغار) في هذا الشأن التي تصب في مجملها في انتقاد المس بحقوق الضحايا والمجتمع من خلال انتشار قضايا (الصفقات) التي يعترف المتهم بموجبها بجرمه مقابل تخفيف الحكم الصادر بحقه، الأمر الذي أصبح ظاهرة يومية في المحاكم الإسرائيلية.

          ويورد هنغبي في سياق هذا الفصل آراء بعض الشخصيات التي تطالب بتشديد قبضة الحكم على المتهاونين والمستهترين. ثم يناقش العنف الأسري وأبعاده على المجتمع الإسرائيلي، ومدى تهاون السلطات القضائية في فرض عقوبات رادعة على الذين يقومون بضرب نسائهم وإهانتهن، وموقف رجال الشرطة من ذلك وفق استطلاعات الرأي.

          ثم يناقش الكاتب موضوع التجارة بالنساء، وكيف انتشرت في إسرائيل حتى أصبحت من الدول الرائدة في العالم في هذا المجال. ويختتم الفصل بتناول العنف ضد الأطفال وأبعاده وموقف القضاء منه.

          يستعرض الفصل السادس (ص ص: 161- 181) الآراء المختلفة حول تعذيب المتهمين والضغط عليهم للاعتراف بالجرائم التي ارتكبوها. ويلقي الضوء على حادثة اعتراف متهم تحت الضرب والضغط بقتل صديقته ومن ثم الحكم ببراءته بعد 30 عاماً. ويناقش الكاتب ما تؤدي إليه مثل هذه الممارسات من انتقاص لحقوق الإنسان، ويؤكد أن مثل هذه الظاهرة موجودة بكثرة في إسرائيل رغم تعارضها مع الميثاق الدولي ضد تعذيب المتهمين.

          ثم يستعرض حالات أخرى أدى فيها ضغط الشرطة وتهديدهم إلى اعتراف متهمين أبرياء بمخالفات وجرائم لم يرتكبوها، ويستعرض ردود أفعال منظمات حقوق الإنسان على مثل هذه الممارسات. كما يناقش المؤلف في هذا الفصل موضوع التمييز بين اليهود والعرب، وكيف أن القضاء الإسرائيلي يميز عنصرياً في القضايا المرفوعة من طرف ضد آخر.

          ويتناول الكتاب في الفصل السابع (ص ص: 185-210) الامتيازات التي يحظى بها رجالات الجيش وأتباعهم، وعدم محاسبتهم على أخطاء كانوا مسؤولين عنها مباشرة، بل على العكس يتم ترقيتهم وتسليمهم مناصب عليا وقيادية.

          ثم يورد الكاتب بعض الحوادث التي كان فيها ضباط قياديون في الجيش مسؤولين عن مقتل جنود يعملون تحت إمرتهم بسب قرارات خاطئة أو أوامر غير مناسبة، موضحاً أن المحكمة العسكرية لم تطبق على هؤلاء المسؤولين نص القانون.

          ويناقش الكاتب قضية استغلال بعض الضباط والمسؤولين العسكريين للمجندات والتحرش بهن جنسياً، ويورد بعض الحوادث التي وقع فيها استغلال من هذا النوع، ورغم ذلك لم تتم معاقبة المسؤولين وفق ما ينص عليه القانون، بل على العكس من ذلك فقد تم لاحقاً رفع رتبتهم وتعيينهم في مناصب أعلى.

          ويتحدث هنغبي في نهاية الفصل عن تورط بعض قادة الجيش في مذابح جماعية مثل كفر قاسم عام 1956. ويشير إلى المعايير المزدوجة التي تتعامل وفقها إسرائيل فيما يخص هذا النوع من المذابح خلافاً للمواثيق والمعاهدات الدولية.

          ويركز الكاتب في الفصل الثامن (ص ص: 211-241) على مقتل رابين في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1995، ويحاول الكاتب أن يسوق أدلة لإثبات أن حادثة القتل كانت معروفة حتى قبل سنوات من وقوعها. ثم يوضح أن وجود العنف والتحريض والتعصّب الديني–القومي في المجتمع الإسرائيلي هو ما أفضى إلى اغتيال رابين. 

          وفيه يتحدث الكاتب عن الاتجاهات والجمعيات المتعصبة ودورها في خرق القانون من خلال التشجيع على الاستيطان. ويركز على دور (غوش إيمونيم) في هذا السياق، وموقف الحكومة الرسمي من أتباع هذه المنظمة. ويختتم هنغبي الفصل بالحديث عن مخالفات المستوطنين وجرائمهم، وتمردهم، وخرقهم للديمقراطية وسلطة القانون.

عودة