The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقالات والتقارير

لمنطقة تتجه نحو التغيير… وعلى القوى العربية أخذ زمام المبادرة

أحمد البرصان


يشهد النظام الدولي والإقليمي والمحلي أزمة حقيقية لها جذورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فعلى المستوى الدولي شهدت العاصمة البريطانية تفجيرات الأنفاق في السابع من شهر تموز، كما شهدت تفجيرات ثانية في الحادي والعشرين من الشهر نفسه رغم الاستنفار الأمني الذي لم تستطع الحكومة البريطانية معه أن توقف هذه التفجيرات. كما تشهد العاصمة الأمريكية واشنطن وبقية العواصم الغربية حالة قلق شديد من استمرار عمليات التهديد.

وعلى المستوى الإقليمي نلاحظ أيضا تفجيرات طابا في السادس من أكتوبر 2004، وتفجيرات شرم الشيخ في الثالث والعشرين من تموز /يوليو الحالي، وسبقت ذلك بعض التفجيرات الفردية في القاهرة، وكذلك تواجه اليمن حالات غليان شعبي أسفرت عن مقتل عدد كبير من المواطنين في صنعاء وعدن بسبب رفع أسعار الوقود، مما أدى إلى تراجع الحكومة اليمنية بتخفيض ارتفاع الزيادة لتكون معقولة في نظر المواطن. ويشهد العراق أيضا ازدياد عمليات المقاومة، وفي السودان تم تشكيل حكومة وحدة وطنية في الوقت الذي تواجه فيه الحكومة قضية دارفور، وعلى مثل ذلك نجد حالة كثير من دول الإقليم.

أما في فلسطين، فهناك إعلان شارون الانسحاب الأحادي الجانب من غزة، والصدام الذي حدث بين حركة حماس وحركة فتح الذي تم تجاوزه على اعتبار أن الدم الفلسطيني يمثل الخط الأحمر رغم ضغط شارون والولايات المتحدة لدفع السلطة الفلسطينية للصدام مع المقاومة الفلسطينية للجهاد وحماس لخلط الأوراق في المنطقة وفي الداخل الفلسطيني، كما يواجه لبنان أحداثاً داخلية توفر لإسرائيل فرصة إثارة الحرب الأهلية واستهداف حزب الله كرمز لمقاومة لبنان الإسلامية وهو الحزب الذي فرض على إسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان، ثم هناك موضوع جر سوريا للمواجهة بعد تجريدها من عمقها الاستراتيجي في لبنان وبعد فرض انسحابها منه، وفي ظل التواجد الأمريكي على حدودها الشرقية.

لا شك أن لهذه التطورات الدولية والإقليمية والمحلية جذورها السياسية، فقد أعلن عمدة لندن صراحة أن سياسة الدول الغربية خلال ثمانين عاما لعبت دوراً في تفجيرات لندن، كما أن دراسة صدرت عن المعهد الملكي للدراسات الدولية أكدت بصراحة أن مشاركة حكومة توني بلير في احتلال العراق وتحالفها مع جورج بوش الابن كان سبباً جوهرياً في تفجيرات لندن، وكذلك تتزايد في واشنطن الانتقادات للرئيس الأمريكي بسبب فشل سياسته في أفغانستان والعراق، كما تتزايد الانتقادات للولايات المتحدة بسبب تأييد بوش المطلق لسياسة شارون العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، مما ينعكس سلبا على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

ويظهر أن فشل الحكومات العربية في التحول الديمقراطي، وسيرها في فلك سياسة واشنطن قد خلق لها متاعب داخلية أثرت على شرعيتها السياسية، فالأوضاع الداخلية الاجتماعية والاقتصادية في تردٍّ مستمر، وأزمة الديمقراطية والتغير على حالها، والاستمرار في تأييد سياسة واشنطن، والموقف المتفرج على أحداث العراق وفلسطين، وفوق كل ذلك نجد تذمراً شعبياً قد يكون صامتاً ولكن ليس ثمة ما هو أخطر من صمت الشعوب في حالة الأزمات التي تمس حضارة الأمة وهويتها، فالأغلبية الصامتة يجب أن تثير قلق الحكومات.

إن الولايات المتحدة وبريطانيا تريدان تغيير خارطة المنطقة العربية التي تم تشكيلها في سايكس بيكو 1916، على اعتبار أن دورها قد انتهى، وأن المنطقة أصبحت بحاجة إلى ترتيب جديد تحت شعار "الشرق الأوسط الكبير الديمقراطي" وشعار حقوق الإنسان، ولكن ازدواجية المعايير الأمريكية ساهمت في تدني مصداقية أمريكا، فخلال نصف قرن من الزمان ظلت أمريكا تؤيد النظم الديكتاتورية والسلطوية، كما أنها تؤيد إسرائيل، وتتجاهل حقوق الفلسطينيين الشرعية، مما يضعنا الآن أمام مشهد دولي وإقليمي، وحتى محلّي يصعب التنبؤ به، ولكن الشيء المؤكد أن التغيير في المنطقة قادم، وأن خارطة جديدة ستظهر خلال العقد القادم، ولكن السؤال المهم هو: هل تشكل الحركات الشعبية في الوطن الخارطة؟ أم تشكلها القوى الغربية؟ على أن قراءة الواقع تؤكد فشل المشروع الغربي والاحتلال الأمريكي‑ البريطاني للعراق.

إن التقرير السري الذي كُشف عنه في لندن من أن كلاً من واشنطن ولندن في طريقهما للانسحاب من العراق هو الأقرب للحقيقة، لأن القوى الاستعمارية عبر التاريخ لا تتحمل الخسائر الاقتصادية والبشرية، وأن انسحاب إسرائيل من غزة مهما كانت مبرراته لا يمكن تفسيره إلا بانتصار المقاومة المسلحة في فلسطين.

إننا في العقد القادم أمام مرحلة تغييرات تقودها الشعوب في ظل عجز كثير من الأنظمة عن أخذ زمام المبادرة والقيام بالتغييرات والابتعاد عن واشنطن ولندن، ولا شك أن معركة العراق ستكون حاسمة، كما هو الحال في فلسطين، إن شعوب المنطقة لم تعد تطيق مزيداً من الاحتمال، وإن صبرها لا يمكن أن يحتمل الكثير من الهزائم، وحقائق التاريخ علمتنا أن التحدي المتمثل في الغزو الخارجي والاحتلال في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة تدفع الشعوب باتجاه التغيير… خاصة وأن الشعب الفلسطيني يخوض معركة المصير على أرضه بصلابة، كما يخوضها الشعب العراقي كذلك بعنفوان متصاعد ضد الاحتلال والاستعمار وضد فرض الأجندة الأجنبية، وضد بناء المجتمع الطائفي أو العرقي الممزّق.

عودة