The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقال الإفتتاحي

الانتفاضة والمقاومة في مواجهة تداعيات أوسلو و11 سبتمبر

رئيس التحرير - جواد الحمد


تؤكّد مؤشرات القراءة المعمّقة للتحولات التي شهدتها السنوات الخمس الماضية، أن ثمة معركةً محتدمة بين برنامجين عربيين، الأول يقوم على مواجهة الاحتلال الإسرائيلي عسكرياً وسياسياً وإعلامياً، بما في ذلك محاصرته اقتصادياً، ووقف كل أشكال التطبيع معه، وذلك بهدف إجباره على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، سواءً من خلال رفع كلفة الاحتلال في الخسائر البشرية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، أو على صعيد تصاعد الضغوط السياسية والدبلوماسية كي ينصاع لرغبة المجتمع الدولي بإنهاء الاحتلال لهذه الأراضي.

وعلى صعيد آخر، تسعى كثير من الأنظمة العربية وقيادة حركة فتح، وبعض حلفائها في منظمة التحرير الفلسطينية إلى اتّخاذ أسلوب إبداء حسن النوايا عبر التخلّي عن القوّة المسلّحة والعنف في مواجهة الاحتلال لصالح الاستجابة للضغوط الدولية القاضية بالرهان على تسوية سياسية مُتَفَاوَضٍ عليها بين الإسرائيليين والعرب، تفضي إلى تأمين إسرائيل بكيانها المعترف به دولياً منذ 15/5/1948، والانفتاح على هذه الدولة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، بل والتعاون معها في محاربة القوى العربية والفلسطينية المتصاعدة المناهضة لسياسات الاستسلام والهيمنة والتبعية.

وهو ذات الحال الذي شهدته السنوات الخمس (1987-1993) إبان الانتفاضة الفلسطينية الكبرى، حيث طُوِّرَت المواجهة مع الاحتلال من الحجارة إلى السكاكين إلى قنابل المولوتوف، لتواكبها مقاومة مسلحة منظَّمة مع مطلع عام 1992، والتي كادت أن تغيّر موازين القوى (الميدانية) بين قوات الاحتلال والمستوطنين من جهة، وأبناء الشعب الفلسطيني من جهة ثانية.

غير أن قيادة حركة فتح وحلفاءَها في منظمة التحرير الفلسطينية قرروا إنهاء هذه الانتفاضة، والقبول باتفاقيةٍ سمّيت (مرحليّة) مع الاحتلال، استندت إلى إعلان مبادئ لا يحقق الحد الأدنى منها طموح أي فصيل فلسطيني، وهو ما عرف بـ "إعلان أوسلو" الذي وُقِّع في (13/9/1993).

ومنذ ذلك التاريخ، رهنت منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة التي انبثقت عن اتفاق أوسلو في الضفة الغربية والقطاع نفسها لطاولة المفاوضات مع الاحتلال، الذي مارس معها كل ألوان الإذلال، والاستخفاف، والمراوغة، في قاعات التفاوض، تماماً كما مارسها في القرى والمخيّمات الفلسطينية ضد أبناء الشعب الفلسطيني.

وقد شّكل هذا التحوّل مفتاحاً للشرعية العربية لوجود إسرائيل، وخاصة توقيع اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية عام 1994.

كما شكّل ضربةً موجعةً للانتفاضة والمقاومة الفلسطينية، وتسبب في إجهاضها، وهو ذاته الذي حوّل قوى فلسطينية مهمة، من معسكر الانتفاضة والمقاومة إلى معسكر المفاوضات الماراثونية، دون جدوى.

أي أن الانتفاضة والمقاومة لم تأخذ فرصتها الكافية للإنجاز، واستبدلت ببرنامج السلطة الفلسطينية الذي فشل أيضاً في تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني، كما فشل في كسب ثقة الاحتلال عبر المفاوضات، طوال سبع سنوات عجاف من المفاوضات.

وعلى الصعيد نفسه، تمثّلت هذه المعركة بين البرنامجين أيضاً في السنوات الخمس الأخيرة (2000-2005) عندما التحمت كل القوى الفلسطينية المسلحة في جبهة ميدانية واحدة، ضد الاحتلال العسكري الصهيوني وممارساته، لتفاجئه بالقوة والإثخان والاستمرار، كما فاجأته بالقدرة على امتصاص الضربات، مدعومةً بموقف شعبيّ موحّد، ولم تنجح كثير من المحاولات السياسية لإجهاض هذه الانتفاضة المسلّحة.

لكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 خلقت جوّاً سياسياً وإعلامياً غير مواتٍ لنجاحها، حيث تمكّنت إسرائيل من استثمار الحدث، لتحوّل المقاومة الفلسطينية إلى دائرة ما يسمّى بـ (الإرهاب) في سياسات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، ولتكون هدفاً من أهداف الحرب الأمريكية ضد ما يسمّى بـ(الإرهاب)، وذلك رغم عدم وجود أي صفة مشتركة من الصفات التي تطلقها هذه الدول على ما يسمى بـ (المنظمات الإرهابية).

وقد حاولت قوى التسوية استعادة أنفاسها بعدما خمدت في الوطن العربي، والساحة الفلسطينية، لكنها اصطدمت بالوحشية والإجرام والإرهاب الصهيوني المتصاعد، على شكل مجازر، وتدمير، وجرف أراضٍ، ولا مبالاة لأي طرحٍ سياسيٍّ عربي أو فلسطيني.

فحاصرت زعيم أوسلو (ياسر عرفات)، وضربت بعرض الحائط بالمشروع العربي للسلام الشامل في بيروت علم (2002)، واجتاحت مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، مدمرة بذلك ما بناه اتفاق أوسلو. وبنت موقفها الجديد على استراتيجية فرض الأمر الواقع على الأرض، عبر ما يسمّى (خطة الانفصال الأحادية الجانب) التي تقوم على توسيع كتل الاستيطان المركزية، وضم الأراضي للكيان الإسرائيلي. وبناء جدار عنصريٍّ يقتطع الكثير من الأراضي الفلسطينية، ليعزل الكيان الإسرائيلي المحتل، عن الضفة وغزة، ويشكّل سوراً عالياً لسجون كبيرة، على شكل مدن وقرىً وبلدات ومزارع. بل ليقسم البلدة الواحدة، وحاراتها، والبيت الواحد، والمدرسة الواحدة، إلى قسمين.

ورغم كل الإدانات الدولية وقرار محكمة العدل الدولية ضد بناء الجدار عام 2004، إلا أن ذلك لم يغير من واقع الأمر شيئاً. ووفق البرنامج نفسه شرع الاحتلال بالهروب من قطاع غزة، حيث جحيم المقاومة، والفشلُ العسكري أمام استراتيجيات المقاومة المتغيّرة في القطاع… هرب تحت شعار الانسحاب (الاندحار) من قطاع غزة، بتفكيك الاستيطان، وإجلاء المستوطنين، وسحب القوات المسلحة وتفكيك قواعدها، إلى خارج القطاع، مع زيادة وتمكين الحصار البرّي والبحري والجوّي لقطاع غزة، في محاولة لتحييد المقاومة الفاعلة في القطاع عن المواجهة المباشرة مع الاحتلال. وليبيع هذا الهروب سياسياً، بوصفه "مبادرة سلمية" ابتلع طُعْمَها العربُ قبل الغرب… وقبضت إسرائيل ثمنها قبل إتمام الصفقة، أي أن هذه التحوّلات لم تحقق الإنجاز الوطني الفلسطيني في القطاع، ولا تسببت في تحريره واستقلاله تماماً، ولكنها خدمت الاستراتيجية الصهيونية المرحلية لمحاصرة المقاومة والانتفاضة المؤثّرة.

وقد أكدت الاغتيالات والغارات والعدوان الإسرائيلي أواخر شهر سبتمبر عام (2005) كذب ادعاء الاحتلال بالانسحاب من القطاع وإلى الأبد، كما روّج في أروقة الأمم المتحدة زعيمهم أريئيل شارون.

إذاً فقد فشلت اتجاهات التسوية والتطبيع واللقاءات الدبلوماسية والنداءات لتدخل المجتمع الدولي، في تحقيق أي تطوّر مهم واستراتيجي في واقع الاحتلال الإسرائيلي، رغم أن المقاومة المسلحة والانتفاضة الشعبية الكبرى الأولى (1987-1993) والثانية (2000-2005) كادت في الحالتين أن تجبر الاحتلال على الاستسلام والاندحار، لو أعطيت فرصة عامين أو ثلاثة مع دعمٍ عربيٍّ شامل وموقف فلسطينيٍّ موحّد خلفها.

إن تكرار التجربة، وتكرار الألم، وتكرار الضياع، أصبح اليوم غير معقول ولا مقبول.

لقد آن الأوان، لرسم استراتيجية عربية فلسطينية متكاملة لمواجهة عدوانية وغطرسة وإرهاب الاحتلال الإسرائيلي، وكيانه العنصري في الميدان، كما في المحافل الدولية، وعلى مختلف الصعد العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والإعلامية وغيرها، ليعيد كيان الاحتلال والأطراف الدولية التي تدعمه حساباتهم بواقعية واعتدال.

ولعل مبادرة مركز دراسات الشرق الأوسط بعقد مؤتمرٍ عربيٍّ أكاديميٍّ سياسيٍّ في نهاية نوفمبر (2005)، لرسم السيناريوهات المحتملة لطبيعة هذا الصراع، والاشتباك مع إسرائيل خلال العشرة أعوام القادمة (2005-2015).

لعل ذلك يكون فرصةً جديدةً للأطراف والدول والقوى المعنية، لرسم مسارٍ استراتيجيٍّ مبنيٍّ على رؤية مستقبلية واعية لطبيعة المتغيّرات الإقليمية والدولية، على طريق تحقيق الطموح العربي والفلسطيني بالتحرير والاستقلال والعودة، بوصفها أساس تحقيق الاستقرار والأمن والسلم والرفاه الاقتصادي في الوطن العربي.

عودة