The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



البحوث والدراسات

الخطوة التالية لحماس - إيجاد الطريق إلى فلسطين -

هلينا كوبان


في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية الأخيرة، فاز أعضاء حماس بالأغلبية الساحقة (76 مقعداً من132)؛ وكان السؤال الرئيس الذي تردّد في الدوائر الدبلوماسية يدور حول: كيفية ردّ حماس على المطالب الثلاثة للولايات المتحدة وحلفائها: الاعتراف بحقّ إسرائيل في الوجود، وتأكيد التزامها بكافة الاتفاقيات الدولية التي التزمت بها فتح، ونبذ الإرهاب؟

وفي لقائي على فترات مع عدد من قادة حماس فيما بعد، كانت الإجابة الرئيسة هي: أن منظمة التحرير الفلسطينية قدّمت سابقاً إجابات لتلك الأسئلة، فلِمَ يركّز المجتمع الدولي على حماس ويكرر الأسئلة؟ إن إسرائيل هي التي يجب أن تعترف بحق الفلسطينيين وبدولة فلسطينية في كافة الأراضي التي احتلتها عام 1967. عندها يصبح من السَّهل الإجابة والوصول إلى اتفاق.

وقد ركز "هنيّة" على حاجة الفلسطينيين لترتيب البيت الفلسطيني أولاً، وقال الزهّار: نريد أولاً: "تنظيف البيت الفلسطيني وتنظيف علاقات شعبنا مع البلدان العربية.. وإيجاد طريق جيد للاستثمار الاجتماعي والاقتصادي، وتنظيف المجتمع من "المتعاونين" مع إسرائيل".

لقد ظلّت حماس قوية عصيّة على محاولات إسرائيل لتدميرها، على الرغم من قتل كثير من قادتها وتعرّض الأحياء منهم لمحاولات القتل... كما أن عقيدة حماس القوية ساعدتها على التركيز على أهدافها على الرغم من تهديدات إسرائيل، وربما يُضَاف إلى ذلك عامل آخر هو: محافظة حماس على الهُدنة من جانبٍ واحدٍ منذ آذار 2005 (التهدئة)، التي لم تَعُد إسرائيل تلتزم بها، والتي ساعدت شارون على الانسحاب من غزة، واعتبرته حماس نصراً، وعزّز نجاحها في الانتخابات، ونجاح حزب "كايما" في الانتخابات الإسرائيلية.

كان الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني قد وقّعا على عدة اتفاقيات بعد أوسلو، أهمها "اتفاقية باريس" التي سيطرت إسرائيل بموجبها على حركة البضائع بين غزة والضفة الغربية، كما أن إسرائيل تخلّت منذ 2002 عن التنسيق مع السلطة حول الأمور السياسية والاقتصادية وغيرها، ودمّرت مراكز الاقتصاد الفلسطيني، وقد تحدّث الزهّار عن نيّة انفكاك غزّة عن اتفاقية باريس واتفاق رفح بعد الانسحاب من غزة، وفتح الحدود مع مصر... لكن الخشية أن يؤدي ذلك إلى الانفصال تجارياً وسياسياً عن الضفة الغربية.

ويبتعد قادة حماس عن عقد مفاوضات قريبة مع إسرائيل، لأن التفاوض مدمّر في ظل الوضع الحالي الذي لا تتوازن فيه معادلة القوة حالياً بين إسرائيل والفلسطينيين، ولا تفرق حماس بين اليمين واليسار في إسرائيل في العداء للفلسطينيين.

وترسم حماس صورةً مشرقةً لوضعها السياسي في الشرق الأوسط الإسلامي، وقال الزهّار: إن المنظمة تلقت التأييد من كثير من الشخصيات البارزة في العالم العربي، ودعواتٍ للزيارة من عدة بلدان. وتتوقع حماس المزيد من الانسحاب الإسرائيلي في الضفة الغربية، وازدهار المجتمع والاقتصاد الفلسطيني خلال عامين. وتنكر حماس أيَّ صلةٍ لها بالقاعدة، ولا تنظر إلى الشعب الأمريكي كعدوٍّ لها، بل تؤمن بالتعاون بين الشعوب، وتندد بأعمال القاعدة التدميرية في الغرب.

وعلى صعيد العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، ترى الكاتبة أن الفلسطينيين يتّجهون إلى البناء الداخلي ولا يتوقعون خيراً من أيِّ اتصالٍ مع إسرائيل، ويعتبرون ما بدا أنه ميل إلى التقارب في التسعينات لم يكن سوى غطاء يخدم عدم توازن القوة لصالح إسرائيل؛ وفي إسرائيل يبدو أن الحدّ من الاتصال اليومي مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة أصبح سياسةً إسرائيلية، وأن حاجزاً أميناً ضخماً بنته الحكومة يجد طريقة الآن إلى عُمق الضفة، وفي قلوب الكثير من الفلسطينيين في القدس الشرقية، وإن إسرائيل أنهت اعتمادها على العمالة الفلسطينية رخيصةِ الأجر.

هذه التوجهات الأُحادية المتوازية تثير عدداً من الأسئلة، أهمها:

هل ستقدِر حكومة حماس على ممارسة سيطرتها على كافة مناطق الضفة الغربية وغزة، بما في ذلك الكثير من أجنحة حماس؟

لن تكون السيطرة سهلةً عل كافة المناطق، فقد شعرت فتح بالإهانة من فوز حماس الكاسح في الانتخابات ورفضت المشاركة في حكومة وحدة وطنية، وبين الحركتين جذور عميقة للخلاف؛ لكنّ حماس كانت تريد حكومة وحدة فلسطينية لمواجهة إسرائيل، ولإيجاد توازنٍ سياسي فلسطيني في الداخل، ومن الصعب التكهّن بنتيجة صراعٍ مسلّح على السلطة، إذ لدى حماس خمسة آلاف مقاتل على قدر عالٍ من التدريب والالتزام، بينما لقوى أمن السلطة الموالية لفتح نحو ستين ألفاً، لكنها غير موحدة القيادة، وسيئة التدريب، ويقال إن نحو ثلثها صوّت لصالح حماس في الانتخابات النيابية.

كما أن الوضع السياسي لفتح غير قوي، وهي مشلولة بالخلافات الداخلية، ويبدو أن من المستبعد حدوث مواجهة واسعةٍ بين الحركتين، ويبدو مؤكداً أن باستطاعة حماس بَسْط سيطرتها على غزة بسهولة، لكن ذلك يبدو صعباً في الضفة الغربية، نظراً لأن دعمها هناك أضعف مما في غزة، ولوجود القوات الإسرائيلية فيها.

كيف ستتصرف إسرائيل والمجتمع الدولي إزاء محاولة حماس تشكيل حكومة فلسطينية؟

نفترض مواصلة قادة حماس وقادة حزب "كاديما" في إسرائيل مواصلة توسيع التصرفات أُحادية الجانب، وإرسال أولمرت إشارةَ موافقة لحماس لمواصلة مشروع بناء دولة في غزة وبعض مناطق الضفة، بما يمكّنه من مواصلة سحب حدود إسرائيل في الضفة الغربية، ولكن بدون مفاوضات، حالما يوقف إطلاق الصواريخ من غزة؛ ولو أختار أولمرت هذا الوضع فإنه سيجعل واشنطن تعطي فرصةً لحكومة حماس في غزة للانسحاب من اتفاقية باريس، ويصبح الوضع أشبه بما حدث مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، ويمهّد الطريق لحكومة ديمقراطية تمارس بعض صلاحيات الحكم الذاتي.

ماذا يحدث للعلاقات بين سكّان غزة والضفة الغربية إذا انتهجت حماس مسار "غزة أولاً" الذي وصفه الزهّار؟

سيكون لهذه الخطوة مضاعفات واسعة... سيصبح اقتصاد غزة أكثر ارتباطاً بالاقتصاد المصري وبالاقتصاد العالمي عبْر مصر، وسيصبح ارتباط الطلبة والمهْنيين ورجال الأعمال بمصر أقوى منه بالضفة الغربية، وسيكون كل هذا التغيير تقريباً لصالح سكان غزة، وبما يمكّنهم من إعادة بناء وتطوير ما طال مطالبة المجتمع به، وسيزدهر الاقتصاد. لكن الضفة الغربية ستظل تعاني من الاحتلال، كما يقول الزهّار، وعلى السكان هناك الاستمرار في المقاومة. ولكن متى يعود الارتباط بين غزة والضفة؟ ذلك متروك للمستقبل.. ولكنّ وضع اللاجئين في غزة سيظل يذكّر العالم بمحنة اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين فيه.

كيف ستتصرف إسرائيل والمجتمع الدولي إذا سعت حكومةٌ بقيادة حماس للخروج من اتفاقية باريس؟

ربما تكون حكومةٌ بقيادة حزب "كاديما" سعيدةً بإنهاء العلاقات الاقتصادية الوثيقة مع الفلسطينيين، ويتوقع أن تقبل الولايات المتحدة بذلك، وأن يُرحب به الاتحاد الأوروبي الذي يفضل هذه الخطوة والتعاون الأوثق بين غزة وكلٍّ من مصر والاتحاد الأوروبي نفسه.

هل ستقدر حماس على الوصول لتسوية مؤقتة مع مصر؟ وماذا عن علاقاتها مع الدول العربية وغيرها من دول العالم؟

إن موقف حماس من كثير من القضايا، بما في ذلك إسرائيل، لا تختلف كثيراً عن مواقف معظم الدول العربية الأخرى؛ وبينما عرضت الدول العربية في "إعلان بيروت" (آذار/2003) الاعتراف الكامل والتطبيع مع إسرائيل إذا لَبَّت شروط الإعلان.

يرى قادة حماس أن الانسحاب الكامل إلى حدود 1967 سيجعلهم "يفكّرون" في الاعتراف بها والدخول في "هدنة" طويلة المدى.

ويُعتبر الأردنّ ومصر أكثر الدول العربية التزاماً بالسلام مع إسرائيل؛ وقد أبدت مصر الاستعداد للتعامل مع قادة حماس، لكنّ علاقة حماس مع مصر تتأثر بكون حماس حليفةً لحركة الإخوان المسلمين ذات الجذور العميقة في مصر والأردن، اللتين تنتهجان سياسة مع هذه الحركة تتأرجح بين العنف والحذر. غير أن مصر تبدو أكثر استعداداً من الأردن في انتهاج سياسة دعم لحماس. وفي الأردن، حيث نصف السكان من الفلسطينيين، يواجه الملك أوقاتاً صعبة في الإقدام على شيء يساعد على تمكين حماس أو الإخوان في الداخل.

ما احتمالات بقاء القوى الفلسطينية العلمانية بعد الانفجار الداخلي لفتح؟

عكست نتائج الانتخابات البرلمانية السخط الفلسطيني الشعبي الواسع على سياسات فتح واحتكارها مراكز القوّة طيلة السنوات الماضية، كما واجهت القيادة القديمة لفتح التحدي من نشطاء الجيل الجديد، مثل دحلان ومروان البرغوثي، وظلت تتجاهل الدعوة للإصلاح والشفافية؛ وخلال عمق السلطة الفلسطينية، استمال قادة فتح قادة الحركات الوطنية العلمانية.

لكنّ ظهور حماس يمثّل نكسةً للحركة العلمانية، مما سيكون له كذلك مضاعفات على فتح، ومن المستبعد أن تعيد فتح تجميع صفوفها وإيجاد صيغة فاعلة للإصلاح الداخلي، إذ إنها تخلو من إصلاحيين ذوي رؤية وإدراك قوي للتنظيم السياسي، بعكس حماس التي تبدو على مستوى ممتاز من التنظيم، صحيح أن دوائرها تشهد نقاشاً داخلياً قوياً، ولكن لا أحد يسمع ذلك من الخارج.

ما التوقعات بالنسبة للمرأة الفلسطينية والمسيحيين إذا بسطت حماس سلطتها؟

تختلف حماس عن طالبان والقاعدة من عدة وجوه، بما في ذلك النظر إلى المرأة، ذلك أن حماس تولي المرأة اهتماماً بارزاً، وخاصةً في مجال التعليم وإسهامها في النشاط المجتمعي، ولها مكانة بارزة في المساجد.

وتدير حماس الكثير من المؤسسات التعليمية والإغاثة والخدمية؛ كما يؤكد قادة حماس للمسيحيين بأن الحركة لا تنوي إلزامهم بأسلوب غير مألوف لهم؛ وقد أدخل إسماعيل هنيّة مسيحياً وامرأة في قائمة حكومته المقترحة في آذار، لكن حكومة حماس ربما تعيد النظر في المناهج الدراسية والكحول ولباس المرأة وغير ذلك من القضايا المتصلة بالحياة العامة.

هل نشطاء حماس الداخل أكثر برغماتية ومرونة من القيادة في الخارج؟

تتمثل قيادة حماس الوطنية في المكتب السياسي في الخارج بقيادة خالد مشعل، ويعتبر ميثاق حماس أن فلسطين التاريخية بكاملها وقف إسلامي إلى يوم القيامة، لا يجوز التخلي عن جزء منها؛ وعندما قررت حماس الدخول في التهدئة ثم في الانتخابات، بدأ المحللون في الخارج يرون بأن حماس الداخل كانت مستعدة لإبداء مرونةٍ سياسيةٍ أكبر ممن في الخارج، لكن المحللين الفلسطينيين يرون أن مشعل يظل هو القائد المرن البراغماتي، وأن حماس "الداخل" تظل ملتزمةً بمواقفها المبدئية وقيادتها التقليدية في دمشق، وأن قادة حماس في الداخل غير مستعدين لتبني رؤية سياسية مرنة في المستقبل القريب.

ما احتمالات حركة السلام الإسرائيلية وتحوّل الكثير من الفلسطينيين والإسرائيليين عن الأسلوب التعاوني وتأييد صنع السلام؟

يبدو دعاة السلام في إسرائيل على استعداد للحوار مع حماس، وأبدى 48% من الإسرائيليين في استطلاع للآراء الاستعداد للحوار مع حكومة لحماس، بينما عارض ذلك 42% منهم، ويبدو أن المجتمع الإسرائيلي يتحوّل إلى معارضة النزعة العسكرية والاستعداد لإنهاء النزاع وتأييد التوجه أحادي الجانب عند حزب "كاديما"، والتخلي عن الاتجاه التعاوني مع الفلسطينيين الذي كان يفضله حزب العمل واليسار منذ وقت طويل.

ما احتمالات وضع الولايات المتحدة في المنطقة إذا واصل أولمرت سياسة الحل الأحادي وإرساء حدود نهائية لإسرائيل تضمّ القدس الشرقية وأجزاء كبرى من الضفة؟

لو حقق أولمرت وعوده الانتخابية برسم حدودٍ نهائية لإسرائيل، تضم معظم الكتل الاستيطانية الكبرى والقدس الشرقية ووصلها مع مستوطنة معالي أدوميم بموافقةٍ من بوش، فإن واشنطن سوف تواجه ورطةً صعبة وسوف تلحق الضرر بموقفها في الشرق الأوسط، خاصةً وأنها متورطة في العراق، وتتعرض للخطر من الجماعات القومية والدينية في المنطقة؛ لكن إدارة بوش ربما تعمل الآن من خلف الستار لإقناع أولمرت بألا يتحرك في هذا لاتجاه.

هل من سبيل لحل القضايا الصعبة للقدس والحدود واللاجئين بالتفاوض؟

إن أكثر الجوانب إشكاليةً في خطة أولمرت هي ضمّ القدس الشرقية ضمن حدود نهائية، والواقع أن القدس تمثّل جوهر الصراع عند الفلسطينيين والعرب والمسلمين بشكل عام، كما أن بقية المنطقة مصابة بالشلل، وتواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها وضعاً صعباً في العراق الذي يتجه نحو حرب أهلية، ومع إيران حول القضايا النووية، وكلها على صلة بالقضية الفلسطينية. ولو وقع حادثٌ كبير كمهاجمة خطوط الإمداد العسكري الأمريكي في الأردن، أو تفجير ناقلة نفط، أو قتل هنيّة أو مشعل، فإن الشرق الأوسط كله ستَعمّه الفوضى؛ وإذا استمر حصار حماس في غزة ومنع المساعدات عنها فإن ذلك سيكلف بلدان الغرب غالياً من ناحية سياسية، لقد جلب مشروع بوش لنشر الديمقراطية وضعاً لا ترضاه واشنطن في العراق والمناطق الفلسطينية بل شكّل تحدياً قاتلاً لدبلوماسية ما بعد أوسلو ولعملية السلام.

عودة