The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقالات والتقارير

السياسة الروسية وحدود الدور في الشرق الأوسط

نورهان الشيخ


تزامنت مجموعة من التطورات مطلع عام 2007 أثارت عديد من التساؤلات حول السياسة الخارجية الروسية عامة، تجاه الشرق الأوسط خاصة، وحدود الدور الروسى دولياً وأقليمياً. الأمر الذى دفع البعض إلى الاعتقاد بأن حقبة جديدة من السياسة الخارجية الروسية على الصعيدين الدولي والإقليمى قد بدأت، وأن روسيا تعتزم لعب دور دولى وأقليمى مناوئ أو على أقل تقدير موازن للدور الأمريكي في المنطقة. ولعل التحليلات العربية فى هذا الخصوص يمكن تفسيرها على ضوء الحنين إلى الماضى والرغبة فى بروز قوة كبرى تعيد التوازن والإنصاف للعلاقات الدولية وتضع حداً للغطرسة الأمريكية وإنفرادها بشئون المنطقة.

ولكن رغم حدة الانتقادات الروسية للموقف الأمريكى والنشاط الدبلوماسى الواضح لروسيا مؤخراً وتناقض مواقفها مع السياسة الأمريكية فى العديد من القضايا على النحو السابق بيانه، إلا إنه لايعني تغيراً جذرياً في السياسة الروسية نحو المواجهة أو التحدى الكامل والصارخ للإرادة الأمريكية سواء فيما يتعلق بالقضايا الشرق أوسطية أو غيرها من القضايا. ويؤكد ذلك مجموعة من الاعتبارات، أهمها رؤية القيادة الروسية للسياسة الأمريكية على أنها مصدر خطر على المصالح الروسية. وتصريحات بوتين هى إنعكاس لإدراك القيادة الروسية لضرورة القيام بدور روسي أكثر فاعلية في مواجهة السياسة الأمريكية. وفاعلية الدور الروسي تكمن باستعادة بعض مواقع النفوذ التي فقدتها روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، وتصحيح الخلل في التوازن مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلى علاقة متكافئة بين ندين وشريكين على قدم المساواة فى إطار نظام متعدّد الأقطاب ينهى الاحتكار والانفراد الأمريكى في إدارة الشأن الدولى، من ناحية أخرى، وعلى مدى ما يزيد عن عقد ونصف منذ انهيار الاتحاد السوفيتى وانتفاء التناقض الأيديولوجى بين روسيا والولايات المتحدة اتخذت روسيا خطوات جادة نحو إعادة طرح نفسها كقوة "أوربية" ذات عمق آسيوى.

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية يتميز الموقف الروسي عن نظيره الأمريكي والأوربي بالتوازن والاحتفاظ بعلاقات جيدة وقنوات اتصالية مفتوحة مع كافة القوى الفلسطينية ومن بينها حركة حماس التي تضعها الولايات المتحدة والاتحاد الاوربى ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، وفى الوقت الذى رفضت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل نتائج لقاء مكة بين زعماء حركتي فتح وحماس فى الثامن من فبراير 2007، أشادت روسيا به واعتبرته يفتح الطريق لاستئناف عملية السلام في الشرق الأوسط، فتطور السياسة الروسية ومواقفها تجاه الصراع العربي الاسرائيلى على مدى الخمسة عقود الماضية يوضح أن تغيراً ملحوظاً قد طرأ عليها منذ مطلع التسعينات فى اتجاه الاحتفاظ بعلاقات جيدة ومتوازنة مع أطراف الصراع جميعاً. ومنذ استعادة العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتى واسرائيل فى أكتوبر 1991 ، تطورت العلاقات الروسية الإسرائيلية على نحو ملحوظ، وتزامن هذا مع تأييد القيادة الروسية الواضح للقضية الفلسطينية، وهو ما تؤكده تصريحات المسئولين والسلوك التصويتى لروسيا داخل الأمم المتحدة، وتحركاتها في إطار اللجنة الرباعية للتسوية السلمية في الشرق الأوسط.

وعلى الصعيد العراقي كانت روسيا حليف أساسي للعراق قبل الاحتلال الأمريكي له عام 2003، حيث أدانت روسيا الضربات الجوية الأمريكية البريطانية على العراق في يناير ويونيو 1993 وديسمبر 1998 وفبراير 2001، وكان التأكيد الروسى الدائم على ضرورة الانسحاب الامريكى من الاراضى العراقية وحل القضية العراقية فى إطار الشرعية الدولية ومن خلال الأمم المتحدة، وحق الشعب العراقى فى اختيار حكومته وإدارة شئون بلاده، فروسيا تعى جيداً أن تحقيق مصالحها الاقتصادية فى العراق رهناً بتحقيق الاستقرار السياسى.  

وخلافاً للعديد من التحليلات لا يمكن اعتبار زيارة الرئيس بوتين إلى المنطقة فى فبراير 2007 توجهاً جديداً فى السياسة الخارجية الروسية أو محاولة لإختراق النفوذ الأمريكى المهيمن على شئونها. فقد جاءت الزيارة إمتداداً طبيعياً للسياسة الروسية تجاه المنطقة ولخطوات عديدة سابقة اتخذتها روسيا، فالسعى لتطوير العلاقات مع دول الخليج العربى كان توجهاً ثابتاً فى السياسة الروسية ، كما إن الزيارة جاءت رداً على الزيارات المتكررة التى قام بها العاهل السعودى منذ أن كان ولياً للعهد، وكذلك تلك التى قام بها الملك عبدالله بن الحسين وأمير قطر لموسكو، وكان من الطبيعى أن تقوم القيادة الروسية بعد أن بلورت صيغة جديدة لعلاقاتها بدول المنطقة أن تقوم بزيارتها تأكيداً على أهتمامها بتطوير التعاون مع دولها. كما إن روسيا لا تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية أو ممارسة دور أمنى أو عسكرى وإنما إلى شراكة استراتيجية بالمعنى الاقتصادى والتقنى ذات عائد اقتصادى مباشر لروسيا، ودور تنموى حقيقى لدول المنطقة.

الخلاصة ... إن المتتبع للسياسة الروسية فى منطقة الشرق الأوسط يجد أن التحركات الروسية الأخيرة ما هى إلا خطوات تنفيذية لتوجهات حكمت السياسة الروسية منذ إنهيار الاتحاد السوفيتى فى مطلع التسعينات من القرن الماضى، وما أن بدأت روسيا تستعيد عافيتها ونجح بوتين فى إعادة ترتيب البيت الروسى من الداخل خلال فترة رئاسته الأولى حتى بدء فى بلورة التوجهات العامة لسياسته الخارجية لاسيما تجاه منطقة الشرق الأوسط، و روسيا لا تبحث عن هيمنة سياسية وليس ضمن أولوياتها أى مواجهات حادة مع الولايات المتحدة خاصة فى منطقة أصبحت تحت النفوذ الأمريكى المباشر سياسياً وعسكرياً.

عودة