The image shows our cooperation with the online plagiarism detection service PlagScan

ملخص المقال



المقالات والتقارير

هل إسرائيل جاهزة للتسوية السياسية؟

إبراهيم عبد الكريم


اكتسبت تحركات الأطراف المعنية بالمشكلة الفلسطينية زخماً ملحوظاً، خلال الشهور القليلة الماضية، وتعددت المبادرات والصيغ التي طرحت في " التداول السياسي" للخروج من النفق الذي دخلته هذه المشكلة، انتهى بالتوصل إلى "اتفاق مكة"(بين حركة فتح وحركة حماس) الذي وضع مساراً جديداً للعلاقات الفلسطينية الداخلية.

  وبات من المعروف أن مسألة الأمن تتصدًر قائمة مكونات الإستراتيجية العليا لإسرائيل، لهذا يتم التشديد على تجنيد مختلف الطاقات الذاتية والتحالفية وتوفير المقومات الجارية والإستراتيجية، الكفيلة بحماية الدولة واستمرارها، للحفاظ على "الأمن القومي" الإسرائيلي إزاء المخاطر الداخلية والخارجية، وعليه فإن الموقف الإسرائيلي الملائم هو مواصلة الضغط على الحكومة الفلسطينية إلى أن تستجيب بصورة أكثر لمطالب الرباعية الثلاثة.

و يمكن القول أن الخلفية الإستراتيجية التي استندت إسرائيل إليها في التعامل مع المستجدات السياسية الفلسطينية والعربية انطلقت من إدراك إسرائيل أن التزام الإدارة الأميركية الحالية بالأمن الإسرائيلي يشكل أساساً راسخاً، حيث تعاملت إسرائيل مع الرباعية الدولية على قاعدة ضمان الموقف الأميركي الداعم للسياسة الإسرائيلية.

وعلى أرضية هذه الثوابت في القناعات الإسرائيلية، يزاوج الإسرائيليون بين موقفين  إزاء التحركات الفلسطينية والعربية والدولية، هما:موقف متخذ، يقوم على المماطلة، وموقف معلن، يعبّر عنه خطاب الاستعداد الدعائي للتجاوب مع الطروحات التي تضمن قيام الفلسطينيين بتنفيذ التزاماتهم في إطار خطة خارطة الطريق.

إلا أن "اتفاق مكة" وضع الحكومة الإسرائيلية أمام حالة إشكالية حقيقية، وهي التمييز الإسرائيلي بين المعتدلين والمتطرفين في الجانب الفلسطيني، وتبرز التوجهات الإسرائيلية العملية إزاء "اتفاق مكة" وحكومة الوحدة من خلال التعامل بالمعايير السياسية والأمنية القديمة مع الحدث الجديد، على نحو ينذر بتضييع فرصة ثمينة لمن يريد تغليب نهج التسويات على نهج الصدام. 

واعتبرت إسرائيل أن "حركة حماس خرجت الرابح الأكبر" من هذا الاتفاق، وأن حركة حماس لم تتنازل عن أفكارها ولم تقبل بشروط الرباعية الدولية، الأمر الذي سيدفعها لمواصلة نهجها الاحتلالي الذي درجت عليه خلال السنوات الأخيرة، مع إبداء بعض حالات ضبط النفس، لإبقاء الأوضاع ضمن حالة "صراع منخفض الشدة"، وفي موضوع المفاوضات، يمكن لإسرائيل أن تقدم ما تسميه "تنازلاً كبيراً" عبر إبداء المرونة في الشرط الإسرائيلي القائم على ربط المفاوضات بوقف "الإرهاب"، بمعنى الموافقة على "إدارة المفاوضات تحت النار". 

هناك عدد من السيناريوهات التي تتحسب لها الحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق بالتطورات المتوقعة فلسطينياً وإقليمياً، ويأتي في مقدمتها تجدد الانتفاضة، الأمر الذي ستستغله إسرائيل لإغلاق الأبواب أمام الحلول السياسية، والتركيز على المكونات الأمنية للعلاقات بين الطرفين.

أما فيما يتعلق بحكومة الوحدة الوطنية والتفاهم بين الفلسطينيين ومحيطهم العربي حول التسوية، فإن إسرائيل لن تقدم للفلسطينيين أكثر مما حددته هي مسبقاً كسقف لما تسميه "التنازلات المؤلمة" في إطار استحقاقات للتسوية، وسترحب إسرائيل بانخراط الدول العربية في عملية السلام مع إسرائيل.

أما ما يتعلق بحماس فإن إسرائيل ستعمل على إما الإبقاء المشروط لحماس في المسرح السياسي،وبالتالي إنهاء مشروع الحركة المقاومة عملياً لصالح مشروع الحركة المساومة، أو الحفاظ على علاقات "الوضع الراهن" التي سبقت "اتفاق مكة" المتمثلة بفرض طوق على حماس يمنع حكومتها من أداء دورها الطبيعي وبالتالي إفشالها.

ولاعتبارات تتعلق بتعقيدات المشكلة الفلسطينية، تعمد الحكومة الإسرائيلية إلى تصنيف الحلول التي تتبناها وفق دائرتين، الأولى دائرة الحلول المؤقتة والتي تتضمن إقامة دولة فلسطينية مؤقتة داخل حدود "الجدار الفاصل"، أي على غالبية مناطق الضفة الغربية، وكامل قطاع غزة.

والدائرة الثانية هي دائرة الحلول الدائمة والتي تضم مشكلة اللاجئين، القدس، الحدود النهائية للدولة، المياه ...حيث ستحل فقط في إطار الدولة الفلسطينية، وبطريقة "حسم النقاش"، وسياسة الأمر الواقع، ووفقاً للرغبات الإسرائيلية.

ويعتبر الغموض الإسرائيلي المتعمد سيد الموقف، لأن حكومة أولمرت تعمل وفق برنامج أمني يحتوي بعض المضامين السياسية، وهذا يعني أن الجزئي والدائم في تصورات الحل التي تتبناها حكومة أولمرت يرتبطان بمدى استجابة حكومة الوحدة الفلسطينية للمطالب الإسرائيلية، وهكذا تعود المسألة إلى نقطة البداية في الحلقة المفرغة، ويؤكد ذلك الرفض الإسرائيلي لمعظم مضامين الحل الشامل الوارد في المبادرة العربية، و رفضها القاطع كذلك على قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بمفهومها الحقوقي السيادي.

لهذا راعت القوى الفلسطينية الفاعلة إمكانيات الممانعة في المدى المنظور، وأخذت بعين الاعتبار عدة مقومات، منها ما يتعلق بتقاسم الأدوار بين الأطراف الفلسطينية، بحيث تعطى الحلول السياسية وأصحابها فرصة لاستعادة ما يمكن استعادته، ومنها ما يتعلق بالإحجام عن الانخراط في حسم وإنجاز التسوية النهائية، قبل امتلاك إمكانات حل مشكلات القدس واللاجئين والدولة المستقلة....

وأخيراً الاستعداد لجولة جديدة من المواجهات، انطلاقاً من إدراك ضرورة العمل على "إدارة الصراع"،  عوضاً عن الدخول في لعبة "حل الصراع" مع العدو الإسرائيلي،. ومع أنه يترتب على ذلك أثمان تشمل مزيداً من التضحيات والمعاناة في الجانب الفلسطيني، إلا أن ما تعرضه إسرائيل من حلول دائمة يفوق بمخاطره هذه الأثمان، لأنها تعني باختصار خسارة مستقبلية إستراتيجية كبرى يتعذر تعويضها، مقابل خسارة آنية في مسيرة المواجهة قابلة لتحملها في الوقت الراهن وتجاوزها بمرور الزمن.

عودة