العدد 27

المحتويات

 

المقـال الافتتاحـي

# هيئة التحرير

اغتيال الشيخ ياسين وخليفته.. منعطف استراتيجي في الصراع في المنطقة

 

البحوث والدراسات

# إبراهيم أبوجابر

  تحولات المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف (1991-2003)

#عبدالعزيز الغريب

دراسة في الاتجاهات الإصلاحية في السعودية

  التقارير والمقالات
# خضر المشايخ

اغتيال الشيخ أحمد ياسين..المؤشرات والتداعيات والدلالات

# مروان الأسمر

حرية الصحافة الأردنية في الميزان

# علي البلاونة

عام على احتلال العراق

# حسام الحوراني

قراءة في تقرير وضع الجدار في القانون الدولي، الصادر عن منظمة العفو الدولية في شباط 2004

# محمد عبدالفتاح

 متابعات: عملية السلام في الشرق الأوسط

  مراجعات
# هيئة التحرير  مشاريع الإصلاح في الوطن العربي
# رياض حمودة بيبلوغرافــــيا

 

إلى الأعلى


المقال الافتتاحي

اغتيال الشيخ ياسين وخليفته منعطف استراتيجي في الصراع في المنطقة

خط يوم الاثنين 22 مارس 2004 مرحلة جديدة من مراحل النضال الوطني الفلسطيني، وشكل منعطفا استراتيجيا بالنسبة لحركة المقاومة الإسلامية حماس وحلفائها من فصائل المقاومة، فيما شكل مرحلة جديدة في سياسة الاحتلال تقوم على تهيئة المسرح السياسي بتصفية قيادات المقاومة، وشكل رد الفعل الفلسطيني والعربي والدولي غير المسبوق على اغتيال أي زعيم فلسطيني سابق مشهداً سياسياً عبَّر عن الحجم والأهمية التي تكتسبها حركة حماس باعتبارها حركة مقاومة فلسطينية.

كان مشهد العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني متواصلا، كما كانت عمليات المقاومة النوعية في تصاعد وتزايد في التأثير والقوة، واتسمت هذه العمليات في الفترة التي سبقت اغتيال الشيخ بأنها من النوع الاستراتيجي ولا سيما عملية أسدود المشتركة بين حماس وكتائب الأقصى، كما تسارعت وتيرة التنسيق بين فصائل المقاومة الفاعلة الثلاث، وتداعت صيحات وتوجهات لتوحيدها في جبهة واحدة على قاعدة المقاومة، وأفشلت حركة المقاومة كل الجهود الإسرائيلية والمتعاونة معها للوقيعة بين أبناء الشعب الفلسطيني الذين أسقطوا مخطط بيريز وشارون بحرب أهلية على خلفية توقيع اتفاق أوسلو، حيث كان بيريز قد أعلن أن أوسلو تعطي المؤمنين بالسلام من الفلسطينيين الرصاص ليصنعوا الأغلبية لهم في الشارع، ولكن المراقب يلحظ أن السياسات التي اتخذتها حركات المقاومة فوتت الفرصة على مثل هذا السيناريو التدميري.

كما تعافت المقاومة من ضربات إسرائيلية متواصلة، حتى تمكنت من الاستقلال بالسلاح والتشكيلات العسكرية، وكان قرار إسرائيل باجتياح الضفة الغربية وتدمير السلطة وتنفيذ مجزرة جنين ونابلس في مارس 2002 وغيرها خطوات استراتيجية هدفت إلى إنهاء المقاومة ومنع تطورها، لكن الواقع شهد تصاعد المقاومة نوعياً وتزايد تلاحمها وتأييدها في الشارع، حيث ارتفع عدد القتلى اليهود خلال الستة شهور التالية إلى 194 قتيلاً نتيجة لعمليات استشهادية واشتباكات مسلحة، ولم يُجْدِ احتلال الضفة بالكامل والقيام باعتقال الآلاف، وقتل الناشطين والضغط على السلطة والتشويه الإعلامي لعمليات المقاومة ومساواتها بالأعمال الإرهابية إثر الحرب الأميركية على الإرهاب التي شنتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

وعلى ذلك فإن تصاعد المقاومة وتزايد اللحمة الوطنية الفلسطينية توحداً، وفاعلية عمليات المقاومة أمنيًا وعسكرياً، وقدرة المقاومة على ضبط إيقاع حركة الشارع الإسرائيلي، دب الرعب في قلوب قيادات الكيان الإسرائيلي نفسها، وجعلها تستشعر الفشل تلو الآخر برغم كل ما تقوم به من اختراقات للمواثيق الدولية تسبب لها الضرر الأخلاقي والدولي، باستثناء الحماية الأميركية العمياء لإسرائيل وممارساتها، فظنت أن قتل القادة من الصف الأول والمنظرين والموجهين السياسيين والروحيين سوف يسدد ضربة للمقاومة على المدى الاستراتيجي كما روج لها الإرهابيون في الحكومة الإسرائيلية صبيحة اغتيال الشيخ ياسين.

فشلت سياسة الاغتيال للقادة الفلسطينيين في إثبات جدواها مع بواكير انتفاضة عام 1987، خلافا لما كان عليه الحال قبلها، فازدادت جذوة المقاومة واتسع التأييد لها، وساد الإحباط واليأس فريق التسوية السياسية العربي والفلسطيني مرات ومرات، مما جعل الجانب الإسرائيلي يستشعر فشل برنامج طويل نفذه بالإرهاب والتهديد والضغوط والاختراقات والعملاء لتطويع الشارع والقادة العرب والفلسطينيين بهدف القبول بالمنطق الإسرائيلي في التسوية السياسية لقضية فلسطين.

لقد شكل اغتيال الشيخ ياسين واحدة من التكتيكات الإسرائيلية الفاشلة في ضرب المقاومة وتحجيمها وتدمير معنوياتها، فقد أبطل الاغتيال محاولة السلطة لبسط السيطرة على المقاومة المسلحة في قطاع غزة تحت الضغوط العربية والدولية والإسرائيلية، كما أحبط محاولات الولايات المتحدة الرامية لإشاعة جو اليأس والإحباط في الشارع العربي للقبول ببرنامج الإصلاح الأميركي بديلاً للواقع العربي القائم، كما أحبط الاغتيال محاولات الوقيعة بين فصائل المقاومة، إذ عجل بتوحيدها وتزايد وتيرة تنسيقها، أي أن عملية الاغتيال ضد شيخ الانتفاضة المقعد لم تزدها إلا تماسكاً وإصراراً، ووسعت دائرة تأييدها وأحرجت برنامج التسوية وفريقه، وأربكت المجتمع الدولي، ورفعت وتيرة التخوفات من أعمال العنف ضد المصالح الغربية، رغم أن المقاومة الفلسطينية تتبع استراتيجية ثابتة بعدم القيام بأي عمليات إلا ضد الاحتلال وداخل فلسطين فقط.

وبرغم أن عملية الاغتيال أحبطت محاولات اليسار الإسرائيلي لوأد حكومة شارون مؤقتاً، غير أنها بررت اندلاع تيار جديد من أعمال المقاومة ربما تسبب بأذى استراتيجي للكيان الإسرائيلي أكثر من ذي قبل، وتعتبر الردود المحدودة الأولية لحركات المقاومة إفشالاً للتحليل الإسرائيلي الذي توقع سيلاً من العمليات الانتقامية المباشرة وخسارة المئات من الإسرائيليين، وأبقت الباب مفتوحاً على مستقبل مرعب لهم، أي أن المدى القريب كان هادئاً نسبياً، فيما يحمل المدى البعيد الأنباء التي قد لا تسر شارون وآماله، والتي قد لا يسعفها إرسال فرق الموساد للعمل في الساحة العربية ضد قيادات فلسطينية في الخارج.

تداعيات الاغتيال على حركة حماس

قبل اتضاح أي مؤشرات سياسية مهمة لاغتيال الشيخ ياسين، شرع الإعلام الإسرائيلي بترويج الإشاعات والتوقعات حول انقسام حركة (حماس) وضعفها، على قاعدة الداخل والخارج، أو على قاعدة التشدد والاعتدال، وشرعت بالتخويف من مرحلة تطرف حماس ضد السلطة الفلسطينية، وتنادت للبحث في برنامج حماس الجديد الذي يتوقع له أن يضرب المصالح الغربية في المنطقة، ونظَّر الكثيرون لهذه الخلافات التي هدف العدو منها إلى ضرب فصائل المقاومة ووحدتها الوطنية، ودفع حماس لتغيير استراتيجيتها في المقاومة المسلحة على أرض فلسطين، لكن الحكمة والتوازن –حسب المراقبين- الذي تعامل به قادة (حماس) مع هذا المتغير الاستراتيجي في تركيبتهم القيادية فاجأ الجميع وغير اتجاه الرياح.

ويعتقد الخبراء بشؤون حركة حماس والقضية الفلسطينية أن الشيخ ياسين كان صمام أمان داخلي دائم لحركة حماس وللفصائل الفلسطينية وللمجتمع الفلسطيني نظراً لما يحظى به من مكانة اعتبارية وسياسية وتاريخية، وبسبب الكاريزما الخاصة التي يتمتع بها، لكنه كان كذلك جزءا من حركة الشورى والديمقراطية التي تمارس داخل الحركة ومؤسساتها، ولذلك يمكن القول بأن حركة حماس فقدت رأياً حكيماً وقائداً فذاً وحكماً عادلاً في صفوفها، لكنها لم تفقد واقعها المؤسسي، وقد ثبتت صحة هذه الصورة عن حركة حماس حسبما ظهر لنا في البحث الذي أنجزناه مع الدكتور إياد البرغوثي عام 1996 بعنوان "دراسة في الفكر السياسي لحركة (حماس)"، فقد سارع قادة حماس وقبل مضي 24 ساعة على استشهاد مؤسس الحركة ورمزها التاريخي إلى إعلان خليفة الشيخ ومبايعته على الملأ في مشهد ربما هو الأول من نوعه في تاريخ الحركة، وبينت الحركة أن القائد الجديد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي سيملأ هذا الموقع في قطاع غزة، وأجمعت قياداتها على ذلك، وأعلن القائد الجديد تجديد البيعة للقائد العام للحركة رئيس المكتب السياسي خالد مشعل، لتحسم مؤسسية حماس وشوراها خياراتها وتوجهاتها، ولتوقف سيل المحاولات المغرضة للفتنة، ولا سيما بعد تأكيد الحركة في الداخل والخارج على حد سواء وحدتها واستمرارها على السياسات السابقة نفسها فيما يتعلق بالمقاومة والعلاقة مع السلطة، وعلى الأهداف الاستراتيجية المتمثلة في المقاومة وتجسيد الوحدة الوطنية الفلسطينية. وبذلك اجتازت الحركة الامتحان بتفوق، وبقي عليها الاستفادة من التجربة نحو التطوير والتفاعل واستثمار المتغير لمصلحة النضال الوطني الفلسطيني، لكن الحكومة الإسرائيلية بزعامة الإرهابي شارون لم يرق لها هذا الفشل في ضرب حماس، فعمدت إلى اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بعد ثلاثة أسابيع فقط على اغتيال الشيخ ياسين، وذلك يوم السبت 17/4/2004 في محاولة لكسر صمود الشعب الفلسطيني.

التحول في الشارع لصالح المقاومة

شكل اغتيال الشيخ ياسين ومن بعد اغتيال الدكتور الرنتيسي مدخلاً جديداً لوحدة النضال والمقاومة الفلسطينية، وأثبتت فصائل المقاومة الفاعلة أنها موحدة في مواجهة الاحتلال، فقد أعلنت كتائب الأقصى إصرارها على الانتقام قبل كتائب القسام، وأعلنت تسمية وحدة الشيخ أحمد ياسين المقاتلة في صفوفها، ونفذت هي والقسام وسرايا القدس علميات مشتركة لاحقة لتؤكد ذات الاتجاه.

ومن جهة أخرى أعلن الشعب الفلسطيني دعماً عملياً لخط المقاومة، وامتد ذلك ليشمل الوطن العربي والأمة الإسلامية، فقد كانت المظاهرات التي شارك فيها مئات الألوف من العرب والمسلمين والأحرار في العالم تأييداً لما كان يمثله الشيخ والرنتيسي من الصمود والمقاومة ضد الاحتلال، وليس مجرد احتجاج على انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان التي لم تتوقف يوما من قبله ولا من بعده. وبذلك انعكس الاغتيال على مزاج الشارع لصالح قوى المقاومة وبرنامجها، ما تسبب بتراجع شعبية الفصائل غير المقاومة، ورجالات السلطة المصرين على خط المفاوضات بديلاً لخط المقاومة.

محاولات اعتراضية لحركة التغير

 جرت محاولتان اعتراضيتان لهذا التغير في المزاج الفلسطيني والعربي إبان اغتيال الشيخ ياسين، قام بالأولى رئيس وزراء السلطة وبالثانية فريق من دعاة التسوية ومعهم عدد من المغمورين في الشعب الفلسطيني.

فقد أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع في اجتماع للمجلس التشريعي الفلسطيني برام الله وفي معرض تقديمه لتقريره أمام المجلس عن فترة الثلاثة شهور الماضية أن العمليات الاستشهادية التي قد تصيب بعض الإسرائيليين في غير حالة الحرب إنما تسببت بتعويق مسيرة النضال الوطني، وأنها كانت من الأسباب التي استجلبت غضب الولايات المتحدة وأوروبا، ومن ثم فقد أظهرت الحكومة بمظهر الفشل والعجز، ما تسبب بضرر على المشروع الوطني الفلسطيني، حيث أثارت هذه التصريحات جدلاً إعلامياً وثقافياً بين النخب بديلاً عن الحوار والنقاش حول كيفية استثمار المتغير لصالح النضال ضد الاحتلال في المحافل الدولية.

وعلى المستوى نفسه نشر سبعون فلسطينياً يزعمون أنهم من المثقفين وثيقة وبياناً إعلامياً يدعون فيه إلى انتفاضة سلمية على الاحتلال، وإلى ضبط النفس، وعدم الانجرار إلى ساحة المعركة الإسرائيلية بالقيام بردود مسلحة ضد قوات الاحتلال، بل وطالبوا بأن يكون الخطاب المصاحب لهذه الانتفاضة أيضا سلمياً، بمعنى أنه يخلو من التحريض على أي ممارسة للعنف في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية، حيث كان من بينهم ولأول مرة أمين سر فتح في غزة أحمد حلس وعباس زكي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ما أثار التساؤل عن موقف حركة فتح السياسي إزاء المقاومة، ثم إزاء كتائب الأقصى التي يعتقد بأنها ولدت من رحم حركة فتح، وأثارت هذه المشاركة من الرجلين استهجان الكثيرين لأن بقية المجموعة اعتادت على هذه التوجهات ولا تلقى لها صدى مهماً في الشارع الفلسطيني، وهو ما أثار مخاوف المراقبين من أن يكون هذا التحول لدى بعض قياديي فتح بداية انقسام في الحركة، قد يتبعه انقسام في فصائل المقاومة ذاتها.

لكن تداعيات الحدث عربيا ودوليا وأممياً برغم الفيتو الأميركي في المرتين، حجَّمت من هذه المحاولات، وأبقت على الزخم السياسي لصالح فصائل المقاومة، وفوتت الفرصة على أي اقتتال داخلي فلسطيني، فيما اعتبر استئناف اجتماعات لجنة المتابعة العليا للفصائل الفلسطينية في غزة لتنسيق مواقفها آلية معقولة لبحث نتائج المتغير بما في ذلك الانسحاب المحتمل لإسرائيل من معظم قطاع غزة من جانب واحد، وقرأت فصائل المقاومة الرسالة بحكمة ومسئولية فأجلت عملياتها الكبيرة حتى تستثمر المتغير السياسي والإعلامي، حيث اكتفت بالقيام بعمليات نوعية تؤكد استمرار المقاومة، وتثير القليل من الجدل السياسي الفلسطيني، وذلك إلى أن يستنفد الصبر والحكمة أغراضهما وتتبلور وثيقة فلسطينية مشتركة تخفف من حجم أي خلاف مستقبلاً، حسب تقدير هذه الفصائل. 

التحليل الإسرائيلي الخاطئ والقراءة الأميركية العمياء

          يمكن القول إن التحليل الإسرائيلي القائم على أن الفتنة الفلسطينية الداخلية هي البرنامج الاستراتيجي الذي يحمي إسرائيل ويصفي المقاومة الفلسطينية والقضية الفلسطينية ويضعف التعاطف العربي والإسلامي والدولي معها لم ينجح في تحقيق حضور مهم له على الأرض. وأشرنا أعلاه إلى أن هدف اتفاق أوسلو إسرائيلياً، حسب شيمعون بيريز، كان الوقيعة بين القوى الفلسطينية، ولتتكفل السلطة وأجهزتها الأمنية بقمع المقاومة وتصفية قوتها، وكذلك عندما ظنت إسرائيل أن اغتيال القادة سوف يكون المدخل لتدمير روح المقاومة وبنيتها الفكرية التحتية حسب التجربة الأولى لها مع المقاومة الفلسطينية في السبعينات والثمانينات، غير أن الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987 وانتفاضة الاقصى عام 2001، وتوجهات فصائل المقاومة الإسلامية وكتائب الأقصى لم تزدها الاغتيالات والاعتقالات إلا قوة برغم التأثير المؤقت على العمليات وتأخرها وربما تغير تكتيكاتها، كما زادت عمليات الاغتيال هذه من التقارب بين هذه الفصائل ولم تدفعها إلى الاختلاف، وزادت من شعبية هذه الفصائل ورجالاتها على حساب رجال التسوية المحميين باتفاق الجنتلمان.

وبرغم وضوح هذه الرؤية للقارئ الموضوعي لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني على الأقل منذ عام 1988 وحتى اليوم غير أن القيادة الإسرائيلية تبتز شعبها وتبتز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عبر تأكيد قوتها وقدرتها على إنجاز المهمة المطلوبة لحماية أمنها الداخلي والخارجي، وبرغم أنها لم تفلح في ذلك بعد مضي أكثر من خمسين عاماً على تأسيس الكيان، وترفض إسرائيل بمختلف قياداتها الاعتراف بحقيقة العجز عن تحقيق الأمن، لكن الإحباط واليأس وتزايد الهجرة العكسية والانتحار بين اليهود الإسرائيليين يكشف عن هذه الحقيقة، وهي لا تزال تخدع العالم عندما تروج نفسها بأنها خبير في "مكافحة الإرهاب" وتنفيذ العمليات الأمنية الخاصة، برغم ما اعتراها من فشل ذريع خلال السنوات العشر الأخيرة.

لقد عكس اغتيال شيخ كبير في السن مقعد على كرسي متحرك وفي الشارع بين مسجده وبيته مدى الانحطاط الأخلاقي الإسرائيلي من جهة، والنقص الكبير في المهنية العسكرية والأمنية الإسرائيلية من جهة أخرى، وهي ليست مفخرة عسكرية بأي مقياس، ولا حتى لعصابات تهريب مخدرات، فكيف بدولة؟ ولذلك يتجه القادة الإسرائيليون إلى تمنية الإسرائيليين بأن الأمن والأمان سيكون على المدى البعيد الذي قد لا يعيشوا ليشاهدوه باغتيال أمثال هؤلاء القادة.

وعلى المستوى نفسه تمكنت إسرائيل من تضليل الولايات المتحدة التي أسلمت موقفها السياسي في المنطقة لإسرائيل، وأعطتها الضوء الأخضر على الدوام للقيام بمغامرات عسكرية لم تجلب على أميركا سوى الدمار والخراب والكره، وتقدم الإدارة الأمريكية إسرائيل للشعب الأمريكي بوصفها واحة للديمقراطية من جهة، وأنها تحارب الإرهاب من جهة أخرى، وأنها تمثل امتداداً للحضارة الغربية وفق التيار المسيحي اليميني المحافظ المتصهين الذي ينتمي إليه كثير من قادة الولايات المتحدة من جهة ثالثة، ولأن الولايات المتحدة تستطيع ممارسة الضغط على الدول العربية لمنع التحول الشعبي نحو مناصرة الشعب الفلسطيني عملياً، فقد أصرت الولايات المتحدة في هذه المرة كذلك على القراءة الخاطئة، وإن بدى عليها الارتباك للوهلة الأولى بسبب ردود الفعل الغاضبة غير المتوقعة على المستوى العربي والإسلامي والدولي، فأحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي يمثلان مظلمة شعب مقهور تحت الاحتلال، ويمثلان الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني، حيث لا يقبل أي عاقل مقولة أن لهذا الاغتيال علاقة بما يسمى بمكافحة الارهاب من بعيد أو قريب مهما زعم الإسرائيليون ونسجوا من قصص، فشيخ قعيد وطبيب سياسي لا يمكن أن يكونا إلا تمثيلاً للألم والحلم الفلسطيني في التحرير والاستقلال والعودة.

التحول الاستراتيجي

في ضوء ما ذهبنا اليه اعلاه من التحليل، فقد أظهرت هذه الاغتيالات بأنها متغير استراتيجي مهم، أعاق جهود إحياء عملية السلام ومشاريعها، وزاد من تأييد المقاومة فلسطينياً وعربياً، ووسع من الحضور السياسي والإعلامي لحركة حماس عربياً ودولياً كذلك، وساهم في تشجيع التوجهات الوحدوية في الشارع الفلسطيني إن على صعيد فصائل المقاومة المسلحة أو القوى السياسية المختلفة، وأسهم في إحراج موقف السلطة وإضعافه فيما يتعلق بإمكانية لجم أعمال المقاومة المسلحة، وزاد من رعب المجتمع الإسرائيلي من علميات انتقامية بسبب مغامرات قادته الإرهابيين، ووفر المتغير فرصة لحماس للتأثير، ربما تكون نادرة، في سياسات المنطقة وتوجهاتها على الصعيدين الشعبي والرسمي، وأربك الموقف الأوروبي من وضع حماس على قائمة المنظمات الإرهابية، الذي كان استجابة للضغوط الأميركية حينها.

إذن فقد كانت حياة الشيخ ياسين والرنتيسي قوة لحماس، وكان استشهادهما تقوية لوجودها ونفوذها وحضورها السياسي ولحلفائها في المقاومة أيضاً، ومثّل قفزة نوعية في توجهاتها نحو الوحدة والقيادة السياسية، لعل الأيام القادمة تثبت قدرة قيادة حركة حماس على استثمارها وفق قراءة دقيقة وصحيحة، وبدعم عربي وإسلامي رسمي وشعبي جاد للجم توجهات الغطرسة والإرهاب والتطرف الإسرائيلي، ولتحجيم قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على التدخل في الشؤون الداخلية العربية، وذلك رغم التطور الخطير بالموقف الأمريكي السياسي إزاء الدعم المطلق للتطرف الإسرائيلي، ولضرب الشرعية الدولية وحقوق الإنسان وقرارات الأمم المتحدة بالحائط في غطرسة وكبر لا يثمران سوى مزيد من السقوط والانحطاط الحضاري حسب أرنولد توينبي.

 

إلى الأعلى



البحوث والدراسات


تحولات المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين المتطرف (1991-2003)

جاء اتفاق أسلو بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ليضع حداً للصراع بين الجانبين؛ وفعلاً دلت مواقف الطرفين واستطلاعات الرأي العام أن الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي يحبذان حلاً سياسياً لذالكم الصراع، وإن كان الإسرائيليون يفضلون ألا يكون دون ثمن.

الانتفاضة الفلسطينية والتي اندلعت بعدما أيقنت القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني أن الإسرائيليين غير جادين في تطبيق ما اتفق عليه، لا بل وتعنتهم فيما له علاقة بقضايا الحل الدائم، هذه الانتفاضة زادت من التطرف في الشارع الإسرائيلي، دون تأكدهم أو حتى إدراكهم أن قيادتهم السياسية كانت المحرك الرئيسي لها.

الشارع الإسرائيلي الذي يراوده الهاجس الأمني دائماً ويميل نحو اليمين طيلة تاريخه عاود التمسك بلاءاته القديمة ونمط تفكيره التقليدي الذي يصب في خانة كراهية العرب وأحقية اليهود في كامل التراب الفلسطيني.

الشارع الإسرائيلي المذكور سواء أكان العام أو الأطر الحزبية السياسية اليمينية واليسارية ما هو إلا مجموعات صغيرة من اليسار الإسرائيلي ومنظمات المجتمع المدني تبنت التطرف ونهج اليمين المتعصب والمتدين، ولعل أبرز مثال على ذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية بين الليكود وحزب العمل وشغر شمعون بيرس مهندس أوسلو منصباً وزارياً فيها.

هذا النموذج الذي حصل، مثَّل للفلسطينيين ضربة في خاصرتهم وسياستهم الرامية لإقامة دولة مستقلة لهم، بل ودعمت ما نظرت له بعض الفئات والحركات الفلسطينية من أن أوسلو لا يعدو إلا مسرحية لا أكثر ولا أقل، بعدما تنكر لها صانعوها.

من الشعب الإسرائيلي شعب ثُقِّف ورُبِّي على فوقيته ودونية الشعوب الأخرى، ولهذا فمصلحته فوق كل اعتبار ولا دوام للصداقة وإنما للمصلحة.

 

إلى الأعلى



البحوث والدراسات

دراسة في الاتجاهات الإصلاحية في السعودية

يعد الإصلاح حديث المجتمع السعودي في واقعه الحالي، في ظل ظروف التغير الاجتماعي التي يعيشها بمتغيراتها المكانية والزمانية وظروفه المحلية والإقليمية والدولية، وظهرت الحاجة الماسة لدراسة التغير الاجتماعي وأثره على الإصلاح الذي تقوم به الحكومة السعودية من جهة، أو الإصلاح الذي تطالب به بعض الفئات الاجتماعية من جهة أخرى، حيث لم يحظ موضوع الإصلاح كجزء من التغيرات الاجتماعية لاعتبارات مختلفة بالدراسات الجادة من قبل علماء الاجتماع، وهذا ما يميز هذه الدراسة ويعطي لها الأهمية العلمية.

يمكن تعريف الإصلاح اجتماعياً بأنه" مشروعات وبرامج جماعية تستهدف إقامة نظام جديد للحياة، ويستند إلى إحساس بعدم الرضا عن النمط السائد والرغبة في إقامة نسق جديد"، وقد ارتبط مفهومه بالفكر السياسي كثيراً، و يفترض بالإصلاح إيجاد الحلول السياسية لثلاث مشكلات رئيسة:

1-    التعميم الواسع النطاق للمساهمة الشعبية في الحياة السياسية وعملية اتخاذ القرار السياسي.

2-    بناء أمة متلاحمة مندجمة متكاملة كبديل لإجماع الأفراد الموزعين بين القبائل والعشائر والطوائف والأعراق.

3-  إنشاء دولة عصرية قادرة وذات فاعلية تؤهلها لقيادة حركة ديناميكية في المجتمع بهدف تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي. (أسعيد، 1984:ص224).

نظراً لطول المرحلة التاريخية التي سعينا من خلالها تتبع العملية الإصلاحية في المجتمع السعودي، فقد تم تقسيمها وفق المنظور الزمني لها، مع الإشارة إلى ارتباطها وتداخلها مع بعضها البعض كظاهرة اجتماعية ينطبق عليها ما ينطبق على الظواهر الاجتماعية الأخرى، والمراحل هي:

1-   مرحلة الإصلاح المبكرة

2-   مرحلة التنمية والتخطيط واختلافها مع الاتجاهات

3-   مرحلة التسعينات الميلادية والطرح الجماهيري

4-   مرحلة المواجهة والاختلاف وبروز الاتجاهات

وفي ضوء عرض موضوع الدراسة، تم الوصول إلى مجموعة من الحقائق توضح حقيقة موضوع الإصلاح في مجتمعنا السعودي.

 

إلى الأعلى



التقارير والمقالات

اغتيال الشيخ أحمد ياسين..المؤشرات والتداعيات والدلالات

أقدمت طائرات الاحتلال الصهيوني فجر الاثنين 22/3/2004 على اغتيال الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بإطلاق ثلاثة صواريخ باتجاهه و مرافقيه لدى عودتهم من صلاة الفجر من مسجد المجمع القريب من منزله في حي صبرا في قطاع غزة . وقد أسفرت الغارة أيضا عن استشهاد تسعة فلسطينيين آخرين ، وإصابة 15 آخرين بينهم اثنان من أبناء الشيخ ياسين.

    وما أن شاع نبأ استشهاد الشيخ ياسين حتى خرج مئات الآلاف من الفلسطينيين الغاضبين إلى الشوارع وهم يهتفون بدعوات الانتقام ومواصلة المقاومة والعمليات الاستشهادية. ودعت المساجد في الضفة والقطاع إلى الإضراب العام ، وقد أخذت مكبرات الصوت في مساجد غزة تصدح بتلاوة القرآن الكريم، بينما سمعت أصوات إطلاق نار في حي صبرا الذي يسكنه الشيخ ياسين. وأغلقت المتاجر والمدارس بشكل تلقائي في غزة. كما أعلن الحداد العام في الأراضي الفلسطينية لمدة ثلاثة أيام ، فيما علقت الدراسة في كافة المدارس. وقد أصدرت حركة حماس بيانا عقب استشهاد الشيخ ياسين قالت فيه إن رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون "فتح أبواب جهنم".

     إلى ذلك شهدت معظم العواصم العربية مظاهرات حاشدة ضمت عشرات الآلاف احتجاجاًعلى اغتيال الشيخ ياسين . فقد انتفض الشارع العربي غاضباً ومستنكراً الجريمة البشعة ، فيما أجمعت الحكومات العربية على إدانة العملية الإرهابية ، كما ارتبك الموقف الدولي من هذا الإرهاب الإسرائيلي ، وكان حادث الاغتيال على جدول أعمال القمة العربية في تونس في 28،29/3/2004، والتي تم تأجيلها بقرار تونس المنفرد . وبذلك شكل اغتيال الشيخ ياسين معالم مرحلة جديدة من الإدراك العربي للعقلية الإرهابية لقادة الكيان الأسرائيلي ، كما شكل رافعة جديدة للمقاومة الفلسطينية، كما شكلت لبنة جديدة في جدار الوحدة الوطنية الفلسطينية ، وشكل تأخير حماس القيام بعمليات عسكرية خاصة الاستشهادية منها حكمة وعقلانية سياسية لإعطاء الفرصة كافية للتفاعل السياسي للحدث ، و التي ستكون مبرراً قوياً لأي أعمال تقوم بها لاحقاً مهما كانت قوتها ، حيث لم يتمكن المجتمع الدولي من إدانة اسرائيل و لجمها رغم إعطائه الفرصة الزمنية الكافية .

   وقد شهد الجهاز السياسي الإسرائيلي عاصفة في أعقاب اغتيال مؤسس حركة حماس، الشيخ أحمد ياسين. وكما كان متوقعاً، رحب اليمين الإسرائيلي بالعملية، وادعى أن ياسين "كان يستحق الموت"، بينما حذر نواب اليسار من موجة عنف غير مسبوقة ستقود إليها عملية الاغتيال.

    لذلك باغتيال الشيخ ياسين يكون شارون ومن ورائه الإدارة الامريكية قد أسسا لمواجهة جديدة ومن نوع جديد أكثر شراسة وضراوة، ودفعاً للشعب الفلسطيني على تحرير أرضه وانتزاع النهج الكفاحي للشيخ الشهيد الذي استطاع وهو المقعد والكسيح أن يبعث الرعب في أوصال جنرالات الإرهاب في اسرائيل .

 

إلى الأعلى



التقارير والمقالات

حرية الصحافة الأردنية في الميزان

تشكل الصحافة الأردنية واحدة من أهم المفاهيم في أدبيات المجتمع السياسي، والاقتصادي والاجتماعي، باعتبارها الأداة الأولى التي واكبت مراحل تطور المجتمع المختلفة على مر السنين، فقد كونت جمهورا كبيرا من القراء، وبات لها أهمية خاصة بين قادة الفكر والسياسية والثقافة على المستوى المحلي وتعدته إلى الأوساط الإقليمية والدولية نتيجة للتغيرات السياسية والاجتماعية التي طرأت على الأردن في التسعينات بعد الانفتاح السياسي.

وبدأت الصحافة مسيرتها منذ أوائل العشرينات وتابعت نموها وتطورها في العقود اللاحقة، وقد اعتمدت الأردن في فترة الحربين العالميتين على الصحافة الفلسطينية التي كانت بمثابة مرآة تعكس الأوضاع التي تعيشها المجتمعات العربية في هذه الفترة من الزمن، وشهد عام 1920 صدور أول صحيفة أسبوعية في إمارة شرق الأردن في معان -يوم انتقلت إلى عمان- باسم "الحق يعلو"، وكان شعارها " ثوروية وعربية"، واستمرت الصحف والمجلات بالصدور بعد عام 1945، ومثلت فترة الخمسينات العصر الذهبي للصحافة الأردنية، ولم يسبق للبلد أن شهد مثل هذا التطور من قبل، حيث تأسس أكثر من 41 مطبوعة في الخمسينات والستينات.

ثم شهد عقد التسعينات بلورة التطورات التي طرأت على قطاع الصحافة في العقود السابقة، ولم يتوقف ذلك على انتظام صدورها وتنوع قضاياها المطروحة فحسب، بل أخذت بمناقشة السمة الأهم في هذه الحقبة وهي التوجهات الديمقراطية التي مست جوانب حياة المجتمع المختلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

 

إلى الأعلى



التقارير والمقالات

عام على احتلال العراق

بعد مضي عام على احتلال القوات الامريكية للعراق وتحديدا من 9/4/2003 ولغاية 9/4/2004 واعتقال غالبية الرموز القيادية للنظام العراقي السابق بما فيهم الرئيس العراقي صدام حسين وتشكيل مجلس للحكم ووزارة جديدة عكست التوزيعة الحالية للمجلس وادارات للحكم المحلي واعادة تاسيس الشرطة العراقية والدفاع المدني والجيش والمخابرات وعلى الرغم من وجود مالا يقل عن 175 الف جندي اجنبي على الارض العراقية فان الامن والاستقرار في العراق لم يتحقق بل آن القوات الامريكية في العراق تواجه مازقا امنيا حادا وبخاصة في منطقة المثلث السني.

ولم يتوقف العنف والقتل والتدمير من الجانب الامريكي بالرغم من أن الشعارات التي جاء تحت اطارها تدعوا بالحرية والديمقراطية للعراقيين وتخليصهم من اسلحة الدمار الشامل التي افتضح امرها واتهامها الرعاق بالتعاون مع التنظيمات الاصولية والراديكالية وهو ما كشفت زيفة الوقائع والاتهامات التي وجهت مؤخرا لكادر الرئاسة الامريكية .

لقد قادت المقاومة الوطنية العراقية اعمال مواجهة الاحتلال الامريكي للاراضي العراقية منذ الايام الاولى للاحتلال ساعدها في ذلك مجموعة القرارات التي اتخذها الحاكم المدني الامريكي بول بريمر بتسريح افراد الجيش العراقي ومنع البعثيين من العمل في اجهزة الدولة الرسمية وازديادة معالم الجريمية والسرقة وغياب اية مقومات للامن والاستقرار الداخلي المتمثل في اعادة تشغيل البنية التحتية والمستلزمات الاولية وانكشاف الاهداف الحقيقية للوجود الامريكي في العراق وفي منطقة الشرق الاوسط في محاولة امريكية بعيدة المدى ترمي من خلالها استغلال الفرص المتاحة لاعادة ترتيب الاوراق في منطقة الشرق الاوسط وعليه ساد اعتقاد اقليمي آن الوجود الامريكي في العراق سيكون له فواعله السلبية على دول الاقليم وبخاصة دول الجوار وتحديدا ايران والسعودية وسوريا .

مازالت الاوضاع غير امنه وغير مستقرة ففي الفتره الواقعة ما بين 1-12/4/2004 ازدادت وتيرة المقاومة العراقية في منطقة الفلوجة والتي راح ضحيتها ما لايقل عن 650 شهيدا و1200 جريح وادى الى مقتل اكثر من 60 جنديا امريكيا واسقطت المقاومة العراقية 12 طائرة واحرقت عددا من السارات والعجلات واعطبت عددا من الدبابات والعربات .

 

إلى الأعلى



التقارير والمقالات

قراءة
في تقرير وضع الجدار في القانون الدولي، الصادر عن منظمة العفو الدولية في شباط 2004

أدّى الجدار الفاصل الذي تُقيمه سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية إلى ردود فعل دولية واسعة، فقد أصدرت عدد من الدول والمنظمات والهيئات بيانات وتقارير أدانت فيها بناء هذا الجدار، ورصدت فيها أهم الانتهاكات والآثار التي سيُخلّفها على المواطنين الفلسطينيين وعلى أرضهم ومستقبلهم السياسي.

وضمن هذا السياق، أصدرت منظمة العفو الدولية في 19/2/2004 تقريراً بعنوان "إسرائيل والأراضي المحتلة: وضع السياج/السور في القانون الدولي"، رصدت فيه المبررات الإسرائيلية لبناء الجدار، وآثاره المختلفة على المواطنين الفلسطينيين، وخلُص التقرير إلى أن من حقّ إسرائيل بناء جدار تُحافظ فيه على أمنها، على أن لا يكون ذلك خارج مسار الخط الأخضر، ودعى الحكومة الإسرائيلية إلى الالتزام بالواجبات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك الواجبات المترتبة عليها كدولة احتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة.

 

إلى الأعلى



التقارير والمقالات

متابعات: عملية السلام في الشرق الأوسط

إن العالم لن يدع الجمود يستمر لأنه سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى قيام مبادرة دولية تشكل خطراً على إسرائيل" بهذه الكلمات المعبّرة عن موقف الحكومة الإسرائيلية الحقيقي. دافع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون عن خطته الأحادية الجانب للانفصال عن الفلسطينيين في غزة والضفة،

والولايات المتحدة لم تعد تهتم بدور حقيقي لها بما يسمى (عملية السلام في الشرق الأوسط) بقدر اهتمامها بالاجتماع والتنسيق مع الأطراف المختلفة وفق سياسة الأمر الواقع لا وفق مرجعية معينة، بمعنى الضغط باتجاه ما يريده الإسرائيليون دون الالتفات للمبادرات والخطط التي يتم طرحها هنا وهناك كما حدث لخطة خريطة الطريق التي يتم تجاوزها الآن بينما ينصب الاهتمام والجهود لمناقشة خطة شارون للانسحاب من قطاع غزة وتقييمها ومعرفة جدواها.

أما موقف دول الاتحاد الأوروبي فما زال خجولاً يكتفي بالإدانة والمواقف الإعلامية دون ممارسة أي شكل من أشكال الضغط ضد الجانب الإسرائيلي، بل إن الأوروبيين عندما يدينون أي ممارسة إجرامية إسرائيلية فإنهم يضعوها في إطار واحد مع المقاومة الفلسطينية، دون تمييز بين حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم وحقوقهم، وبين ارهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل ضدهم· وهو ربط يزعم أغلب المراقبون بأنه مقصود وليس عفوياً.

وعلى صعد آخر، فقد كان فشل الجامعة العربية ودولها في عقد القمة العربية الدورية في تونس في موعدها المحدد مارس 2004 مؤشراً كبيراً على ضعف الموقف العربي وأدت إلى ضعف الموقف الفلسطيني ومهما كانت الأسباب الموجبة للتأجيل موضوعية، فإن الحدّ الأدنى من الدعم السياسي كان سيساهم برفد الموقف الفلسطيني لشيء من الحياة.

 

إلى الأعلى



مـراجــعـات

مشاريع الإصلاح في الوطن العربي

شهدت الأشهر الثلاثة الماضية تسارعاً محموماً في طرح مشاريع وأفكار الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في الوطن العربي، وقد فاجأت الولايات المتحدة العالم العربي بطرح مشروع أطلقت عليه مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، ما ذكّر المنطقة بالمشروع الإسرائيلي للشرق الأوسط الجديد الذي كان طرحه شيمون بيريز عام 1994، وبرغم أن الولايات المتحدة ما فتئت تتحدث عن عمليات إصلاح في عدد من الدول العربية كنوع من الضغط السياسي وربما الابتزاز، غير أنها لم تقدم تصورات تفصيلية كمشروع متكامل قبل هذا المشروع، حيث تناولت الأفكار السابقة الدعوة إلى توسيع الحريات والديمقراطية وتداول السلطة وحقوق  الإنسان وحماية المرأة والطفل، إضافة إلى تطبيق نظريات اقتصاد السوق والخصخصة والعضوية في منظمة التجارة العالمية، والتعامل مع العولمة، وهكذا.

وكانت ردود الفعل العربية على المشروع الأمريكي بعمومها سلبية من الجانبين الشعبي والرسمي مع اختلاف الدوافع، وتسبب ذلك بخلافات عربية داخلية، ما شجع على طرح عدد من المقترحات التي تسمى إصلاحية في مختلف جوانب الحياة، اتسم بعضها بالجزئية والإرضائية للمطالب الأمريكية وعلى الأخص ما يتعلق بإقحام المرأة في الحياة السياسية بقرارات فوقية غير ديمقراطية، أو تغيير وتعديل مناهج التعليم لتخلو مما تعتبره الولايات المتحدة تحريضا وإثارة للعنف، وعلى الأخص ما يتعلق بآيات الجهاد في القرآن الكريم والفتوحات الإسلامية وما يتعلق بالجهاد عموما، إضافة إلى التخفيف مما يثير الحقائق حول اغتصاب فلسطين والإجرام والإرهاب اليهودي الذي مارسته العصابات الصهيونية وكيانهم الغاصب من بعد... الخ.

لكن المنطقة شهدت طرحاً متكاملاً نسبياً لمشاريع إصلاح شاملة كان من أهمها المشاريع العربية الرسمية اليمني والأردني والقطري والمصري، والتي كان يفترض مناقشتها في القمة العربية في 28 مارس 2004 في تونس، كما قامت منظمات المجتمع المدني العربية بعقد مؤتمر لها في الاسكندرية في 12-14 مارس 2004 حيث تقدمت بالكثير من المقترحات الإصلاحية في المنطقة فيما عرف "بوثيقة الإسكندرية مارس 2004" ، كما قدمت جماعة الإخوان المسلمين في مصر مشروعاً إصلاحياً متكاملاً للساحة المصرية مثَّل تصورات حركات الإسلام السياسي حول الإصلاح والتحديث في المنطقة.

ونظراً لأهمية فكرة الإصلاح من حيث المبدأ، وفي ظل انعكاساتها المتعددة على صعيد الوطن العربي، وفي ظل الإصرار الأميركي على طرح مشروعها على اجتماع الدول الصناعية الثمانية G8 في نهاية يونيو 2004، فقد ارتأينا تقديم مراجعة مركزة لهذه المشاريع الأساسية، وهي المشروع الأمريكي، والمشروع العربي الرسمي، ومشروع مؤسسات المجتمع المدني، ومشروع الحركة الإسلامية.

واتخذت المراجعة مقياساً موحداً في النظر إلى هذه المشاريع حتى تتمكن من استكشاف كنهها واختلافاتها وتقاطعاتها، وإشكاليات وتحديات كل منها، وأهم هذه المقاييس:

  1. مرجعيات ومستندات هذه المشاريع إن وجدت.

  2. ما الذي طرحته هذه المشاريع لمعالجة الواقع العربي.

  3. ما الذي أغفلته هذه المشاريع في مشروع الإصلاح.

  4. ما هي إمكانية نجاح هذه المشاريع وتوجهاتها.

  5. هل تحقق هذه المشاريع الطموح العربي لمستقبل واعد.

  6. ما هي مواقف الحكومات والشعوب من هذه المشاريع وخلفيات كل موقف.

وفي هذا العدد نقدم مراجعة للمشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير، على أمل استكمال هذه المراجعات في العدد القادم إن شاء الله.

المشروع الأمريكي للإصلاح

          اعتمدت هــذه المراجعة على النص العربي الذي نشرته جريدة الحياة اللندنية في 13/2/2004، الذي زعمت أنه النص الذي ستقدمه الولايات المتحدة إلى مجموعة الدول الصناعية الثمانية.

          اعتمد المشروع على الرؤية التي رسمها تقرير التنمية البشرية في الوطن العربي الذي أصدرته الأمم المتحدة لعامي 2002و 2003، وهو التقرير الذي لا يزال تحت النقد والمراجعة والتشكيك عربياً، سواء في مقاييسه أو أرقامه ونسبه التي زعم الدقة فيها، كما اعتمد المشروع على أن الإشكالات في الوطن العربي تمثل تهديدا مباشرا لمصالح دول مجموعة الثماني، معتبرا نقص الحرية والمعرفة وتمكين المرأة أسبابا موجبة لزيادة الإرهاب والتطرف والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة في المنطقة.

          لجأ المشروع في مقارباته الأولية التي قدمت لأفكاره إلى مقارنات النسب التنموية وغيرها بين الوطن العربي وأمريكا وأوروبا، زاعماً أن المنطقة تقف على مفترق طرق يهدد مصالح الدول الثمانية. أي أن مرجعيات المشروع كانت غير ذات مصداقية لا من حيث التحليل والتشخيص ولا من حيث التهديف باعتبار الإطار الناظم للمصالح هو مصالح الدول الصناعية الثمانية في المنطقة، وليس مصالح شعوبها وأبنائها. وعرف المشروع الشرق الأوسط الكبير بالعالم العربي مضافاً إليه كل من باكستان وأفغانستان وإيران وتركيا وإسرائيل.

وقد حدد المشروع أولويات الإصلاح التي يعتقد أنها تطور المنطقة إلى الدرجة التي لا تجعلها مصدرا لتهديد الدول الصناعية الكبرى، مؤكدا على ضرورة تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح، عبر الانتخابات الحرة وتمكين المرأة فيها، وتشجيع وسائل الإعلام المستقلة، ومكافحة الفساد،  كما أكد على أولوية بناء مجتمع معرفي، يتعلق بالتعليم الأساسي في مجالات محو الأمية، وتزويد المنطقة بكتب منهجية مترجمة عن مناهج الدول المتقدمة، والتعليم عبر الإنترنت، وذكر أولوية توسيع الفرص الاقتصادية، في مجال تمويل النمو وإنشاء مؤسسة مال دولية خاصة بالمنطقة، وتشجيع عمل المرأة، وتمويل مشاريعها، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وغيرها من التفاصيل.

لكن المشروع الأمريكي لم يتحدث عن إشكالية المديونية وعبئها على الاقتصاد، ولم يقترح إعفاء الدول العربية من ديونها حتى تنهض بالاقتصاد، كما لم يتناول مسألة التشجيع على البحث العلمي والتطوير التكنولوجي وأهمية بناء مراكز أبحاث متطورة، ولم يتناول المشروع ما تسبب به إنشاء إسرائيل من إشكالات اجتماعية واقتصادية وسياسية وتربوية، وما ألقاه من أعباء على كاهل المنطقة ولا يزال، ولم يتناول المشروع مسألة إزالة الحواجز الجمركية وحرية حركة رأس المال والعمالة بين الشرق الأوسط وكلا من أوروبا وأميركا كعامل مهم في تطوير المنطقة وتفعيل التنمية فيها، ولم يتناول المشروع انعكاسات الضغوط السياسية التي تمارسها الولايات المتحدة وغيرها على الحكومات العربية لكبت الحريات ومنع لأي تطور للجماعات الدينية أو القومية المناهضة للغرب، وما يتسبب به من انتهاكات لحقوق الإنسان، ولإهمال التنمية، وللفساد المالي والإداري، ولفقدان الحريات العامة التي يدعو لها المشروع بعامة.

          لم يتناول المشروع أهمية المحافظة على الأسرة في المنطقة، وتدعيم نشر القيم والتقاليد والثقافة الحسنة ومحاربة أوجه الفساد وانتشار المخدرات وتجارة الدعارة،   ولم يشر المشروع إلى محاربة الفقر والبطالة ومظاهر الفساد الاجتماعي من العنف والجنس والمخدرات، وأمراض الإيدز والأمراض المعدية والمستعصية، ولم يتناول المشروع رفع مستوى المعلم ودخله المالي لتحقيق التفرغ للتعليم كعامل من عوامل هبوط مستوى التعليم القائم، ولم يتحدث في هذا السياق عن التزايد الفاحش في رسوم التعليم الخاص والجامعي بما لا يتناسب مع المستوى المعيشي في المنطقة، وما سببه ذلك من أمية المعرفة والتقانة والتطور، ولم يتناول المشروع مسألة إشكالات التنمية الزراعية وأهمية تشجيعها وحمايتها بوصفها نقطة التوازن المهمة للمجتمع والاقتصاد لمنطقة يغلب عليها الطابع الريفي، ولم يتناول المشروع أي توجهات تنمية صناعية أو نقل للتكنولوجيا، فيما ركز على تنمية الاقتصاد الخدمي واستهلاك المعرفة.

ولم يتحدث المشروع عن إصلاح اجتماعي وتأمين اجتماعي وصحي شامل لمواجهة الإشكالات الاجتماعية والصحية المتفاقمة في بعض بلدانه، كما لم يتناول المشروع أفكاراً مهمة حول التنمية البشرية بوصفها السبيل الأهم للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وحل مشكلة الفقر والبطالة والحرمان والعنف الاجتماعي، كما لم يتناول مصدر القلق المتفاقم في المنطقة من السياسات الإسرائيلية العدوانية واستمرار هضم حقوق الشعب الفلسطيني.

 

إلى الأعلى